"حرب لم تقع" قصص جميلة عمايرة الجديدة

الجمعة 2016/01/15
شخصيات المجموعة القصصية تنطلق في خط واحد

عمّان - عن دار الشروق في عمّان صدرت حديثا للقاصة والروائية الأردنية جميلة عمايرة مجموعة قصصية بعنوان “حرب لم تقع”، تضم 10 قصص جديدة تتناول فيها قضايا وهموما إنسانية لا تقتصر على المرأة بقدر ما تجنح إليها في إحالات بليغة مليئة بالوجوه والملامح والأسماء، وتنحاز أيضا من خلالها إلى الإنسان البسيط وانكساراته في تفاصيل حياته اليومية، عبر أساليب سردية مشوّقة.

تتسم قصص المجموعة، كما في المجاميع القصصية السابقة لعمايرة، بجرأة عالية، منتزعة الرقيب من داخلها وهاجس التابوهات، دون مواربة أو خجل مفتعل، ودون الوقوع في شرك الإثارة الأيروتيكية، قد توجد فيها بعض الجمل أو الإشارات التلميحية أو الإيحاءات الجنسية، لكن في سياقات وضرورات فنية، سارحة في فضاءات وأجواء سردية يصعب على غيرها اختراقها، لتصوغ من خلالها ما يجول في أعماق شخصياتها بأسلوب بسيط يفاجئ قراءها بنهايات غير متوقعة.

ويتجلى ذلك بشكل واضح في القصة التي تحمل المجموعة عنوانها، فهي قصة تجمع في دلالتها بين الغياب، بمعناه الوجودي، والغياب بمعناه النفسي، تاركة القارئ في حيرة: هل غياب زوج بطلة القصة غياب حقيقي، هروب أو موت أو استشهاد، أم أنه غياب نفسي وغياب في اللغة؟ وهل تستطيع اللغة استرجاعه كما تعتقد؟ تساؤلات تطرحها على نفسها، لكنها في الأخير تتحدث عن مجموعة حكايات حول غيابه في الحرب، لذا تقرر، من دون شعور بالندم أو المرارة أو الأسى، أن تعتقد بأنّ الحرب أخذته ذات ليلة بعيدة هو وآخرين كثيرين من المدينة.

وحين تنتهي الحرب بغتة يعود الجنود الأحياء إلى بيوتهم، لكنه لم يكن بينهم. لقد انتظرته طويلا ولم يعد. قيل إنه فُقد مع كثيرين في الخط الأمامي المتقدم من جبهة القتال، فيما حكى بعضهم أنه استشهد في قصف مفاجئ على رتل متقدم كان هو من يقوده، وأقسم آخرون أن جسده تناثر أشلاء وأنهم لملموا منها ما استطاعوا ودفنوها في التراب الذي رواه بدمه كما أوصى. وقد اقتنعت المرأة بالحكاية الأخيرة وصدّقتها فأصبحت حكايتها، لأنّ خيوطها متماسكة ومتينة، وصارت تحكيها للآخرين بثقة كبيرة، شاعرة بالفخر به كبطل من أبطال هذا الزمان.

تبدو القاصة في مقاربتها السردية لهموم المرأة وأحلامها وهواجسها، للوهلة الأولى، أنها تتحيز لجنسها، لكن القراءة المتمعنة لقصصها تجعل القارئ يخرج بأنها تحاول أن تضع الرجل ندا حقيقيا للمرأة، بالمعنى المشروع، وليس أخا أو أبا أو قامعا أو سلطة أبوية بطريركية أو عائلية.

قد تنتصر المرأة في قصة وتفرض صوتها دون تحامل على الرجل أو قتله أو إلغائه أو إقصائه، وقد ينتصر الرجل بعنفوانه وحيويته في قصة أخرى، لكن شعورا عاما تبعثه في نفس القارئ بأن الشخصيات تنطلق في خط واحد وتتجسد أمامه ككائنات لها أصواتها وتفردها وأحاسيسها وقلقها وتوترها. وليس ثمة سلام داخلي لدى المرأة دون الرجل، والعكس صحيح.

وفي النهاية يكمل أحدهما الآخر. وهذا يعكس موقفها الذي تردده دائما، وهو أن المرأة تحضر في نصها بقوة كما يحضر الرجل بقوة أيضا ضمن السياق الموضوعي الذي يحكم عالمها السردي، وليس على أساس الرؤية الجاهزة التي تستند إلى تنظيرات الأدب النسوي التي لا تعنيها ككاتبة، صادف أنها امرأة.

ونشير إلى أن الكاتبة جميلة عمايرة ولدت بالأردن عام 1963. وحصلت على دبلوم صحافة، لتعمل في قسم المطبوعات والنشر بوزارة التربية والتعليم إلى أن تقاعدت عام 2001، وهي عضو هيئة تحرير مجلة “تايكي” المعنية بالإبداع النسوي، والتي تصدر عن أمانة عمّان الكبرى، ومتفرغة للكتابة الإبداعية، كما أنها عضو رابطة الكتاب الأردنيين.

وتتحلى عمايرة بجرأة كبيرة في كتاباتها، تمكنها -كما في هذه المجموعة وما سبقها- من أن تسرح بحرية وخفة تامة في فضاءات أو مناطق واسعة يصعب على غيرها اختراقها.

15