حرب مبيتة تستهدف إعلام المواطن في الجزائر

ينظر المسؤولون والسياسيون الجزائريون إلى مواقع التواصل الاجتماعي على أنها مصدر إزعاج وفوضى وتأليب للرأي العام على الحكومة، لذلك يحاولون العمل على محاصرتها بأساليب مختلفة من الاستعانة بالخبرات الصينية إلى مطاردة الناشطين واعتقالهم، للحد من الحريات على الإنترنت.
الثلاثاء 2016/10/11
شبكات اجتماعية على الطريقة الجزائرية

الجزائر- تعالت الأصوات الرسمية في الجزائر، من أجل كبح جماح شبكات التواصل الاجتماعي، وتنامت الدعوات للحد من انتشارها والتحكم فيها، حيث أطلق مسؤولون كبار في الجزائر إشارات قوية تمهد لمراقبة انتشار إعلام المواطن عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ووضع آليات قانونية وتقنية لوقف المد الأفقي، الذي بات يؤرق مضاجعهم، بعدما فشلت أبواقهم الإعلامية في تمرير وإقناع الرأي العام بخطاب السلطة.

لم يستوعب الكثير من المسؤولين الجزائريين الدور المتنامي لشبكات التواصل الاجتماعي، في صناعة الرأي العام، وحلولها محل الإعلام التقليدي الموجه، حيث صارت الكثير من الصفحات الشخصية والتعليقات المنشورة عليها، مصدر إزعاج حقيقي لمسؤولين كبار، لذلك تتعالى الأصوات في مختلف المنابر من أجل التحكم ومحاصرة الخطر الإلكتروني، تحت ذريعة التوظيف المريب له من طرف جهات تريد المساس بأمن واستقرار البلاد.

وقال الخبير في الاتصالات يونس قرار، بأن الحديث عن الخطر الذي تشكله شبكات التواصل الاجتماعي “أخد أبعادا أكبر بكثير من حجمها، وأن منافع ومساوئ هذه الشبكات تعود على مستخدميها، وعلى المستعملين الانتباه إلى حسن توظيفها، لأنها مصممة من قبل شركات كبرى تابعة لدول كبرى، وأن المستخدمين كالجزائريين ومواطني الدول النامية في موقع ضعف”.

ويضيف “يجب على الدولة العمل على زرع الثقافة الإلكترونية في أوساط المواطنين وليس محاربة التكنولوجيا، وبدل أن نبقى في موقع الضحية، علينا البحث عن وسائل للتصدي للاستعمالات الخاطئة والسلبية لهذه الشبكات، ويجب أن تكون للدولة أجهزة داخلية لمراقبة المعلومات الخاصة بالمستعملين حماية لهم من الاستغلال من طرف جهات أخرى”.

يونس قرار: على الدولة العمل على زرع الثقافة الإلكترونية وليس محاربة التكنولوجيا

لكن الحكومة تتجه إلى الاستعانة بالخبرة الصينية “الواسعة” في هذا المجال، لمحاصرة انتشار شبكات التواصل الاجتماعي، من خلال إيفاد خبراء وفنيين في هذا المجال إلى بكين، من أجل الاستفادة من الخبرات الصينية والتدريب في ميدان حصار ومراقبة الوسائط التواصلية، بهدف الحد من انتشارها وتأثيرها في الشارع، بعدما صارت “خطرا” على أمن واستقرار البلاد.

ويستخدم الملايين من الجزائريين مختلف مواقع التواصل، إلا أن معظم المسؤولين والسياسيين يتحفظون على استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، بسبب عدم خبرة البعض منهم في التواصل مع الجمهور، أو الأحكام المسبقة التي يحملونها تجاهها، وذلك باستثناء رئيس الوزراء عبدالمالك سلال ووزيرة التربية ووزير الاتصال، الذين يملكون صفحات شخصية.

واللافت أن العديد من السياسيين أدركوا أن شبكات التواصل الاجتماعي شرّ لا بدّ منه، حيث عمدت قيادات حزبي السلطة “جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي”، إلى تأسيس صفحات خاصة على فيسبوك، تحسبا لتوظيفها خلال الاستحقاقات الانتخابية القادمة، بعدما تفطنت إلى جدوى تلك الشبكات في التعاطي مع قواعدها النضالية والرأي العام المحلي.

وتعتبر صفحة “لجنة الوفاء لعبدالعزيز بلخادم”، من أبرز الصفحات السياسية الأكثر متابعة على شبكة الإنترنت في الجزائر، والأكثر تأثيرا على توازنات الصراع داخل الحزب الحاكم، بما أنها أصبحت مصدر إزعاج حقيقي لقيادة الحزب، لكونها تروّج لفصيل سياسي في جبهة التحرير الوطني. وتعدّ الصفحة حافزا كبيرا للطبقة السياسية، لكونها دفعت الأحزاب الموالية للسلطة إلى الإقرار بواقع شبكات التواصل الاجتماعي، بعدما ظلت حكرا على أحزاب المعارضة، ويظهر أنها اقتنعت أخيرا بأن خلف العوالم الافتراضية أطيافا سياسية ورأيا عاما لا يجب تضييعهما في محطاتها المنتظرة.

وكانت الحكومة الجزائرية قد أقرت بقانون يتيح لمصالح الأمن بمتابعة ومراقبة شبكات التواصل الاجتماعي، بدعوى تحولها إلى فضاء للترويج لمختلف أفكار التطرف الديني والعرقي، والتهديد لأمن وسلامة البلاد، بعدما ثبت لها توظيف تنظيمات متطرفة ومتشددين للوسائط الافتراضية في تسويق أفكارها. واستدلت الحكومة بالدور الذي لعبته البعض من الصفحات في تأجيج الفتنة الطائفية والعرقية في منطقة غرداية، وتهويل الصراع بين أتباع المذهبين المالكي والإباضي، إلى جانب شحن حركات الاحتجاج في البعض من مدن الجنوب، خاصة تلك التي عارضت تنفيذ الحكومة لمشروع الغاز الصخري في منطقة عين صالح بأقصى جنوب البلاد خلال السنوات الماضية.

وجاءت البعض من التصريحات الرسمية لتعزز توجه الحكومة، من أجل التضييق على شبكات التواصل الاجتماعي، فوزيرة البريد وتكنولوجيا الاتصالات هدى فرعون، قدّرت بأن خطرها يفوق خطر المواقع الإباحية، وذلك عندما سئلت عن إمكانية حظر تلك المواقع، أمام مدير ديوان الرئاسة أحمد أويحيى، فقد اتهمها بـ”الوقوف وراء موجة الربيع العربي”، التي زلزلت المنطقة وساهمت في خراب أوطان بكاملها”.

وكان عدد من الناشطين على فيسبوك، قد أوقفوا تباعا من طرف الأمن الجزائري، وتحولت الإساءة إلى شخص رئيس الجمهورية إلى ذريعة لممارسة التضييق على الحريات الافتراضية، وحجة لتوقيف البعض من الناشطين وإحالتهم على القضاء، حيث حكم على الإعلامي والمدون محمد تامالت بعامين حبسا نافذا بتهمة الإساءة إلى رئيس الجمهورية، وهو الحكم الذي طال عددا من الناشطين على شبكات التواصل الاجتماعي.

18