حرج بريطاني بين المصالح الاقتصادية وسجلّ قطر في دعم الإرهاب

لندن المرتبطة بعلاقات وثيقة مع باقي دول الخليج تعلم صعوبة التدخل في ملف الأزمة القطرية.
الأربعاء 2018/07/25
ما مأتى الارتباك

العلاقات التي تقيمها قطر مع بريطانيا لا تخرج عن المنظور القطري المبسط القائم على التعويض عن قلّة الوزن السياسي والدبلوماسي باستخدام الأموال في ربط العلاقات مع الدول الكبرى والقوى العالمية ومحاولة الحفاظ عليها، دون أن يخلو ذلك من حرج لتلك الدول، عندما يصعب التوفيق بين المصالح المادية والمعايير القانونية والأخلاقية التي تفرض عدم التعامل مع داعمي الإرهاب ومموليه مثل قطر.

لندن - لم تخل زيارة أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى لندن من حرج لحكومة رئيسة الوزراء تيريزا ماي الباحثة عن توطيد شبكة العلاقات الاقتصادية لبريطانيا مع مختلف البلدان، لمجابهة تبعات الخروج من الاتحاد الأوروبي، دون أن تكون قادرة بالفعل عن غضّ الطرف عن المآخذ الكثيرة التي تثيرها عدة جهات سياسية وحقوقية محلية ودولية بشأن سلوكات الشريك القطري وما يثار بشأن علاقات قطر مع التنظيمات المتشدّدة وتمويل الدوحة للإرهاب، والتي تحوّلت إلى قضية الساعة في بريطانيا بالتزامن مع الزيارة المذكورة.

واحتجّت العديد من الأوساط البريطانية والعربية المقيمة بلندن على استقبال الشيخ تميم، خصوصا وأنّ زيارته تزامنت مع عاصفة أثارها تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية “بي.بي.سي” أثبت من خلال رسائل نصية واتصالات هاتفية ضلوع وزير الخارجية القطري الشيخ محمّد بن عبدالرحمن آل ثاني وسفير قطر في العراق زايد الخيارين في عملية دفع فدية ضخمة تجاوز مقدارها المليار دولار، لجماعات إرهابية وأفراد مصنّفين على لوائح الإرهاب العالمية، من أجل تحرير رهائن قطريين كانوا محتجزين لدى ميليشيا شيعية في العراق.

واستقبلت ماي، الثلاثاء، الشيخ تميم في مقرّ الحكومة بلندن وأجرت معه محادثات ثنائية بشأن مواضيع متنوعة شملت بشكل أساسي الاقتصاد والتجارة والاستثمار إضافة إلى الأمن والدفاع.

توم ويلسون: على السياسيين تعميق وعيهم بخطورة علاقات قطر مع الإخوان وإيران
توم ويلسون: على السياسيين تعميق وعيهم بخطورة علاقات قطر مع الإخوان وإيران

وتعمل بريطانيا على غرار مختلف القوى الدولية على الاستفادة إلى أقصى مدى من الثروة القطرية الكبيرة المتأتية من أموال الغاز الطبيعي. لكنّ قطر كثيرا ما تتجاوز الأهداف الاقتصادية المباشرة لشراكاتها مع تلك القوى، إلى أهداف سياسية أبعد مدى تتراوح بين شراء صداقتها، وإن أمكن، ضمان صمتها على سياسات متجاوزة على القوانين الدولية التي من ضمنها تجريم تمويل الإرهاب ودعم جماعاته.

ويقول مراقبون إنّ قطر تتّبع منظورا مبسّطا في علاقاتها الدولية يعوّض عن قلّة وزنها السياسي والدبلوماسي ويتمثّل في استخدام الأموال بشكل مباشر  أو غير مباشر في ربط تلك العلاقات ومحاولة الحفاظ عليها، وهو ما يفسّر حاجتها الدائمة لتعهّد تلك العلاقات وتجديدها باستمرار عبر دفع المزيد من الأموال.

ويصنّف خبراء العلاقات الدولية، ضمن هذا التكتيك القطري، عملية عقد صفقات سلاح مرتفعة الثمن تتجاوز بكثير القدرات العسكرية لقطر وحجم قوّاتها المسلّحة.

وكثيرا ما تقع قطر في محظور تجاوز القوانين في مشاريعها وصفقاتها بالخارج. وصادف وجود أمير قطر في لندن، إعادة فتح قضيّة بنك باركليز.

وأعلن مكتب مكافحة جرائم الاحتيال الخطيرة في المملكة المتحدة سعيه لاستئناف دعوى قضائية ضد بنك باركليز بشأن مدفوعات لم يتم الإفصاح عنها جرى تقديمها لمستثمرين قطريين خلال أزمة ائتمانية، وذلك عبر إجراء قانوني نادر بعد أن أسقطت محكمة في لندن دعواه.

وجرى في وقت سابق توجيه الاتهام للبنك إلى جانب أربعة من كبار مسؤوليه التنفيذيين السابقين بتقديم مدفوعات لمستثمرين قطريين في إطار عملية جمع أموال طارئة بقيمة 12 مليار جنيه إسترليني (16 مليار دولار) شملت قرضا بثلاثة مليارات دولار إلى قطر وقت ذروة أزمة الائتمان في عام 2008.

وقال مكتب جرائم الاحتيال الخطيرة إنه في 23 يوليو 2018 تقدم بطلب للمحكمة العليا لإعادة توجيه جميع الاتهامات بحق باركليز بي.إل.سي وبنك باركليز، والتي أسقطتها المحكمة العليا في مايو الماضي.

ويربط مراقبون زيارة الشيخ تميم الحالية إلى بريطانيا بهدف مباشر يتمثّل في محاولة جرّ لندن بما لها من علاقات تاريخية مع بلدان الخليج والدول العربية عموما، للتدخّل في حلّ الأزمة القطرية الناتجة عن مقاطعة كلّ من السعودية والإمارات ومصر والبحرين لقطر بسبب دعمها للإرهاب وتهديدها لأمن المنطقة.

وتعلم لندن التي تربطها أيضا علاقات متينة وشراكات وثيقة مع باقي بلدان الخليج، صرامة موقف البلدان المقاطعة لقطر وإصرارها على رفض الحلول المسقطة للقضية والمتجاوزة على ثوابت وضعتها تلك الدول وتتلخّص عموما في تراجع الدوحة بشكل كامل عن السلوكات والسياسات التي أفضت إلى مقاطعتها.

رفض واضح للزيارة
رفض واضح للزيارة

وترتبط بقضية المقاطعة مسألة أخرى مقلقة على نحو خاص لقطر تتعلّق باحتضان نهائيات كأس العالم في كرة القدم 2022. وما يضاعف المخاوف القطرية حديث بعض الأوساط عن استعداد بريطاني لاحتضان المناسبة مع تصاعد احتمالات فشل قطر في ذلك. ولم تستبعد أوساط إعلامية طرح القضية خلال زيارة الشيخ تميم الحالية للندن.

وانتقد توم ويلسون الباحث في “مؤسسة هنري جاكسون” السياسيين مطالبا إياهم بفهم أكثر وضوحا لعلاقات قطر بالإرهاب، ولخطر شبكة الإخوان المسلمين وعلاقاتها بالدوحة، وأيضا لعلاقة قطر الوثيقة مع إيران التي تمثّل حسب رأيه مبعث قلق لدى من يهتم بأمن بريطانيا وبمكافحة الإرهاب الدولي.

وقال في تصريح لـ”العرب” إنّ هناك أسبابا للتظاهر في لندن ضدّ زيارة الشيخ تميم، أكثر بعشرات المرات من الأسباب التي دفعت للتظاهر ضدّ زيارة دونالد ترامب الذي يعتبر حليفا لبريطانيا في مجال الديمقراطية، بينما يقود الشيخ تميم بلدا ذا سجّل مروّع في مجال حقوق الإنسان ولا يرتبط فقط بتمويل ورعاية التطرف في المملكة المتحدة، لكنه دعّم واستضاف الإرهابيين المسؤولين عن فظائع في أنحاء العالم.

إقرأ أيضاً: فدية قطر تمويل مباشر للإرهاب

3