حرص العرب المسلمين على تدوين القرآن طور فنون التزويق والتجليد

نسخ الكتب والتجليد والتزويق صناعة انتشرت وازدهرت في الأندلس بفضل شغف أهلها بالكتابة والتعلم إلى جانب حرصهم على تدوين القرآن وحفظه وتفطنهم تبعا لذلك إلى ضرورة حفظ بقية مؤلفاتهم إلى جانب ما لعبه شغف حكامهم في العهد الأموي بالعلم وبجمع الكتب من دور رئيسي في تحفيزهم على الإبداع في النسخ وفي الخط وفي التجليد والتزويق انطلاقا مما توصل إليه العرب في هذا المجال.
الاثنين 2015/07/13
الأندلسيون أضافوا خطوطا جديدة إلى المدونة العربية الإسلامية

لندن- لا يمكن إثارة مسألة نسخ الكتب وتجليدها وتزويقها في الأندلس، دون العودة إلى مسألتين ساهمتا في بزوغ هذا الفن؛ الأولى أن الخط العربي المستعمل في الكتابة ونسخ الكتب هو خط ضارب في التاريخ تعيده دراسات تاريخية إلى القرنين الثالث ق م، والسادس ميلادي، مع ظهور خط المسند الذي يعتبر أصل الخط العربي وهو خط يتكئ على لغة المسند في شبه الجزيرة العربية سليلة اللغة الآرامية (في العراق والشام وفلسطين).

والثانية تتمثل في تطور النسخ العربي لتدوين القرآن وهو قرار بأهمية بالغة لم تقتصر على حفظ النص القرآني، بل طالت أيضا إحداث انتعاشة في سياق انتباه العرب المسلمين إلى ضرورة نسخ وكتابة وتدوين مآثرهم الفكرية والأدبية.

حملت الفتوحات الإسلامية من المغرب كتابات العرب المسلمين الأولى للأندلس فتأثر بها أهلها وأقبلوا على التعرف على طرق الكتابة والنسخ والتزويق، ويعد المصحف الشريف من المخطوطات الأولى التي خصها الناسخون والفنانون بعناية فائقة.

وهو ما برع فيه عدد هام من الخطاطين الأندلسيين، فطوروا الخط المستخدم وابتكروا خطوطا اقترنت بهم حتى في تسميتها مثل الخط الأندلسي كما أبدعوا في مجال التزويق والزخرفة، وكذلك في الرسوم والتجليد.

أصبحت الأندلس مركزا للعلوم والنسخ والفنون والإبداع بعد الفتح الإسلامي وصارت محط أنظار الجميع من رواد السلطة ورجال العلم، ما جعلها تلعب دورا محوريا وإستراتيجيا من حيث التأثير في الثقافة العربية الإسلامية. واستعان الناسخون في الأندلس بالخط العربي والخط الشامي، إلى جانب الخط القيرواني الذي أدخلوا عليه بعض التغييرات.

وابتكر أهل الأندلس خطا خاصا بهم وهو الخط الأندلسي أو القرطبي الذي ظهر في العصر الأموي الذي عاشت فيه الأندلس أبهى فترات التطور في النسخ والكتابة، وهو ما وصفه ابن خلدون بقوله “تميز ملك الأندلس بالأمويين، فتميزوا بأحوالهم في الحضارة والصنائع، وتميز صنف خطهم الأندلسي كما هو معروف الرسم لهذا العهد”.

وتجدر الإشارة إلى أنه عند النظر إلى التاريخ وإلى المواد العلمية وتفحّص الوثائق والأحجار والنقائش والوقفيات والرسائل والمخطوطات بأنواعها التي ترجع إلى الأندلس، نلاحظ أن الخط الأندلسي لم ينته بنهاية الأندلس في عهد الإسلام وإنما ظل مرجعا معتمدا بعد ذلك في المغرب الأقصى، الذي احتضن تراث الأندلس ووثّق لمهارة الخطاط الأندلسي المبدع في استعمال أغلب أنواع الخطوط من الخط الكوفي والقيرواني والأندلسي والفاسي والسوداني المتأتية من بقية الأقطار الإسلامية.

تجليد المخطوطات الإسلامية من الفنون التي ازدهرت على يد المسلمين لعنايتهم الفائقة بغلاف المصحف الشريف

عمرت الحضارة الإسلامية في الأندلس تسعة قرون استطاعت خلالها أن تنشر العلم حيث تشكلت مدارس في الفنون والعلوم والآداب وتطور التدوين والتجليد وبرز عدد من أشهر الناسخين في ذلك العصر، ويعد الخلفاء الأمويون رواد هذه الحركة الثقافية التنويرية حيث ازدهرت الحركة الفكرية في فترة حكم عبدالرحمن الناصر لدين الله وفي عهد ولده الحكم المستنصر بالله (302- 366) هجري الذي مثل عصره امتدادًا لفترة زهوة الدولة الأموية في الأندلس.

واشتهر الحكم بعشقه للعلم واقتناء الكتب، حتى عجت مكتبته بنحو أربعمئة ألف مجلد، جمعها من مختلف الأقطار وشهد عهده نهضة في التعليم العام، جعلت أبناء عوام الشعب يجيدون القراءة والكتابة في الوقت الذي كان فيه علية القوم في أوروبا لا يتقنونها.

وقد أغدق الحكم عطاياه على العلماء في عصره سواء كانوا من المسلمين أو غيرهم، وعن عصره قال المؤرخ الأسباني رامون مننديث بيدال “وصلت الخلافة الأندلسية في ذلك العصر إلى أوج روعتها، وبسطت سيادتها السلمية على سائر أسبانيا، وكفلت بذلك السكينة العامة”.

وشغف أهل الأندلس بجمع الكتب واقتنائها وإنشاء المكتبات، وكانت سوق الكتب في قرطبة من أشهر الأسواق، وازدهرت الوراقة تبعا لذلك حيث وظف المستنصر بالله طائفة من مهرة الورّاقين بسائر البلاد، ولاسيما في بغداد والقاهرة ودمشق، ينقبون له عن الكتب، ويحصلون منها على النفيس والنادر، كما كانت له في بلاطه طائفة أخرى من البارعين في نسخ الكتب وتحقيقها وتجليدها وتصنيفها، واجتمع لديه من نفائس الكتب في مختلف العلوم، ما لم يجتمع لأحد قبله.

تفطن العرب المسلمون إلى أن طرق الحفظ عن طريق الذاكرة ستضيع منهم قرآنهم

وترك الناسخون الأندلسيون تراثا ثريا ارتبط بإبداعاتهم في النسخ وتقنياته التي أخذوا أبجدياتها وتعلموها على أيدي العرب المسلمين وأتقنوها إلى درجة تفوقهم على معلميهم ومن أهم أدوات النسخ الأقلام التي عرف العرب منها أنواعا كثيرة مثل قلم السعف، وقلم العاج، وقلم القصب، والريشة المعدنية وأفضلها وأكثرها شهرة القلم المصنوع من القصب، وذلك لسهولة بري ريشته لتكون ذات سماكة معينة مسطحة الوجه وذات شق في الوسط لتسمح بانتقال الحبر من القلم إلى الورق.

كما استعمل أبرز الناسخين في الأندلس أحبارا عربية الأصل والصنع ومنها المداد المصنوع من الدخان والعفص والصمغ، غير أنهم لم يستخدموه إلا للكتابة على الورق واستلهموا من العرب أيضا أنواعا أخرى من الأحبار كانوا قد ابتكروها في العصر العباسي وهي تتناسب مع طبيعة المخطوطات والأوراق المستخدمة في ذلك الوقت.

وفي الأندلس ازدهرت المخطوطات المصورة والرسوم كما ازدهرت في الأقاليم الشرقية من العالم الإسلامي، ومنها ما يرجع تاريخه إلى القرن الثاني عشر ميلادي. أما تجليد المخطوطات الإسلامية فهو من الفنون التي تقدمت بفضل الحرص على صيانة مخطوطات المصاحف وقد ازدهر هذا الفن على يد المسلمين لعنايتهم الفائقة بغلاف المصحف الشريف، سواء من حيث الصنعة والزخرفة أو الرسم الكتابي، وقد بلغ فن تجليد المخطوطات في الأندلس درجة عالية من الذوق الفني استعملوا فيها التقنيات العربية مع تطعيمها بالطابع الأندلسي الخاص.

ومر تغليف المخطوطات بمراحل مختلفة أقدمها التي كانت تستخدم فيها ألواح الخشب المزخرفة بالتطعيم والعاج ثم تبعتها مرحلة تغليف المخطوطة بالقماش المطرز، أو بصفائح الذهب والفضة المرصّعة بالأحجار الكريمة، ونظرًا لكون هذه الأغلفة ثمينة فقد كانت عرضة للسرقة ولم يبق منها إلا القليل النادر في متاحف العالم.

12