حرفيو الموزاييك على الخشب في دمشق يهجرون ورشاتهم

لم تبق الحرب على شيء في سوريا، فحتى دمشق التي يظن البعض أنها آمنة تعيش أزمة حادة ويعيش سكانها خوفا يوميا حتى أن الحرفيين الذين كانوا يمثلون هويتها الحقيقية هجروا ورشاتهم وغادروا البلاد أو انتقلوا إلى مهن أخرى لكسب قوت يومهم في انتظار غد مازال مجهولا.
الجمعة 2016/04/29
فن يشكو هجران معلميه

دمشق- عرف الدمشقيون بصناعة الموزاييك منذ مطلع القرن التاسع عشر عبر التنوع الكبير في المنتوجات الخشبية مزخرفة والمطعمة بالفضة والصدف والعظم، لتشكل هذه القطع الأثاث المنزلي لكل بيت من أرجاء الوطن العربي بل سفيرا لسوريا في دول العالم، لكنها اليوم تشهد تراجعا حادا بسبب هجرة الحرفيين خوفا من أهوال الحرب.

وتميز الحرفي الدمشقي بإتقانه لهذه المهنة عن سواه من الحرفيين في المدن الأخرى مثل حلب والقدس، حيث صار الطلب عليها من دمشق يتزايد لكن لا أحد يلبي هذه الطلبيات بسبب الحرب الدائرة منذ سنوات.

وانتشرت في تلك الفترة وما تلاها ورش لتصنيع الموزاييك في أحياء دمشق القديمة حتى بلغ عدد العاملين في هذه الحرفة في منتصف القرن العشرين نحو 28 ألف حرفي كانوا يقدمون إنتاجاتهم بكميات كبيرة للسوق المحلية والأسواق المحيطة.

ويقول الحرفي أبوكلاس، الذي غادر دمشق إلى تركيا، “تعتمد حرفة الموزاييك على أنواع محددة من الأخشاب مثل خشب الجوز والزان والورد والليمون”، مبيّنا أن هناك تقنية معقدة في تصنيع الموزاييك تعتمد على تنزيل نوع خشبي مختلف عن الخشب المحفور على شكل رسوم وتصاميم هندسية عديدة، بالإضافة إلى تطعيم الخشب بقشر العظم والصدف أو العاج.

ويشير إلى أن تصنيع قطعة الموزاييك يمر بعدة مراحل تبدأ بتصنيع الهيكل الخشبي عبر استعمال أنواع متعددة من الخشب بحسب رغبة الحرفي ثم تلصق على هذا الهيكل صفائح الموزاييك بالغراء .

ويبيّن أبوكلاس أن صفائح الموزاييك تجهز بأخذ قضبان منتظمة ذات مقطع مربع أو مثلث أو متوازي الأضلاع بطول وسطي 25 سم ويتم جمعها على شكل هندسي، وذلك بحسب الرسمة المطلوبة تليها عملية التغرية بعد ربطها بخيط .

وقال “إن هذه القضبان تكون لها ألوان متعددة بعضها طبيعي وبعضها مصبوغ، فاللون الأحمر هو من خشب الورد والأصفر من خشب الليمون، أما العظم فهو أبيض وكان الحرفيون في الماضي يستعملون عظام الخيل، وجميع هذه القضبان تعد من أسرار المهنة”.

دخول منتجات مشابهة للموزاييك، أثر سلبا على هذه المهنة التراثية المعتمدة على الحس الجمالي والحرفي العالي

وأكد أن “هذه المهنة تعيش اليوم حالة من الركود ومهددة بالانقراض بسبب ارتفاع تكلفتها وانخفاض الطلب عليها في السوق المحلية خلال سنوات الحرب، ما قلص من تصريف المنتجات وهجر الكثير من الحرفيين لمهنتهم الجميلة، خاصة بعد ما عمت الفوضى البلاد”.

ويرجع محمد فياض، مسؤول في اتحاد الحرفيين، سبب تدهور هذه المهنة إلى ارتفاع الضرائب على المواد الأولية إلى جانب كساد الإنتاج، ما أدى إلى إغلاق الورش الصغيرة والمتوسطة تدريجيا، كما أن الورش الكبيرة قلصت عدد حرفييها بهدف الاستمرار.

وقال فياض “إن دخول منتجات مشابهة للموزاييك وبأسعار رخيصة ومواصفات تجارية من ناحية الخشب والمواد المستعملة إلى جانب تنفيذها الآلي، أثرا سلبا على هذه المهنة التراثية الأصيلة والتي تعتمد على العمل اليدوي والحس الجمالي الحرفي العالي”.

وأضاف أن “الحرب أثرت على تسويق المنتجات التراثية بشكل عام والموزاييك بشكل خاص، فالحرفي أصبح عاجزا عن إيجاد أسواق جديدة، كما استحال الحضور في المعارض التراثية في العديد من الدول المجاورة”.

وبدوره عبر الحرفي أبوخالد عن ألمه لما آلت إليه حرفة الموزاييك في العقدين الأخيرين، فبعد أن كانت لديه ورشة مؤلفة من سبعة معلمين وثلاثة صناع في دمشق القديمة، بات عمله مقتصرا على شاب صغير يعمل لديه، فالعملية التسويقية في تدهور مستمر أمام عدم وجود حماية حقيقية لهذه الحرفة من الزوال رغم كونها تشكل تراثا تفتخر به دمشق”.

ويلفت أبوكلاس إلى أن إيجاد أسواق جديدة مهمّة لا يستطيع الحرفيون بمفردهم أن يحققوها نظرا لما يتطلبه ذلك من جهود من عدة جهات حكومية وحرفية واقتصادية خاصة لتحقيق النمو والتطور في هذه المهنة كغيرها من الصناعات الوطنية المهمة والتي يعود الربح فيها على الجميع.

وتعاني نحو مئة ورشة في دمشق من سوء المكان الذي تعمل فيه كونه غير مخصص للأعمال الحرفية وضمن أحياء سكنية، بالإضافة إلى وجود قرابة 300 ورشة أخرى في ريف دمشق معظمها في جرمانا وجوبر وجسرين.‏‏

ويذكر أنه بعد الحرب التي بدأت في العام 2011 في سوريا، أرغم الحرفيون على مغادرة البلاد ليستقروا في دول أخرى ويمتهنوا مهنا لكسب قوت يومهم، حالمين بأن يعيدوا المهنة التي ورثوها عن أجدادهم إلى مجدها الذي عرفت به.

20