حرفيو تصليح الهواتف في الجزائر عصاميون يواكبون التطورات التكنولوجية

المصالح التجارية لا تشترط شهادة اختصاص لفتح محل تصليح الهواتف فقليل من الذكاء والتعلق بالتكنولوجيات الحديثة والبحث في شبكة الإنترنت أو تكوين سريع يكفي.
الخميس 2018/03/08
ما خفي يوجد في الإنترنت

الجزائر – استقطبت تجارة الهواتف الذكية وإصلاحها الآلاف من الشباب الجزائريين، ففي ظرف سنوات قصيرة صارت محلاتهم تزاحم كبريات الأنشطة التجارية في البلاد، على غرار محلات بيع الملابس ومحلات الأكل السريع، والأمر لا يتعلق بالعاصمة أو المدن الكبرى، بل امتد إلى القرى والأرياف، فرغم أن الأمر يتعلق بأحدث تكنولوجيات الاتصال، إلا أن أنامل هؤلاء العصاميين صارت تتحكم في كبريات العلامات العالمية.

رغم تجربته في ديار الغربة وتجوله لسنوات في بعض العواصم الغربية كباريس وجنيف، إلا أن محمد أمين، استقر به المطاف في محل صغير بإحدى الزوايا الضيقة في ساحة أودان بالعاصمة، لإصلاح الهواتف الجوالة، واستطاع اكتساب شهرة كبيرة، بسبب تمكنه من إصلاح أعطاب مختلف العلامات الهاتفية، رغم أن المدرسة لفظته في سنواته الأولى.

صار للمحل الذي يكتفي بإشارة بسيطة في الطريق العام تدل إلى الزاوية التي يتواجد فيها، أن يكتسب شهرة واسعة وأصبح الزبائن يقصدونه من مختلف أحياء العاصمة والمدن المجاورة لها، ففي حيز محدود جدا، ينقسم المحل إلى قسمين، واحد لاستقبال الزبائن وآخر شبيه بالمخبر وممنوع على غيره ولوجه لأنه يتطلب صمتا وتركيزا.

يمثل محل محمد أمين عينة بسيطة عن حرفة عصرية، تشتغل على بيع أكسيسوارات الهواتف وإصلاحها، وقد تمكنت في ظرف قصير من استقطاب الآلاف من الشباب الجزائريين الباحثين عن مصدر رزق، خاصة وأن الأمر لا يتطلب رأس مال كبيرا، أو دبلوما أو دراسات، فقليل من الذكاء والتعلق بالتكنولوجيات الحديثة والبحث في شبكة الإنترنت، أو تكوين سريع، تكفي صاحبها ليصبح حرفيا في إصلاح الهواتف الخلوية.

وزاد هوس الجزائريين بالهاتف النقال، من توسع نشاط إصلاحه إلى درجة صار يزاحم فيها كبرى النشاطات التجارية والحرفية، بعد أن أصبح أصلاح الهواتف ضروريا لما يمثل سعرها في بعض الأحيان راتب شهر أو أكثر، واقتناؤه يمثل جهدا في الاقتصاد والحسابات.

وبحسب مصادر رسمية، فإن المصالح التجارية لمحافظة العاصمة لوحدها، منحت نحو خمسة آلاف سجل تجاري لممارسة هذه الحرفة، وأن الطلب عليها في تزايد مستمر، وكان انتشارها في مختلف الأحياء والشوارع الراقية والشعبية والغنية والفقيرة.

وأضافت المصادر، “بعض العدد المسجل لدى مصالحها، يشتغل في إطار منظم مع العديد من الصانعين والناشطين في مجال الهواتف النقالة، في إطار ما يعرف بخدمات ما بعد البيع، بينما تزاول الأغلبية الساحقة نشاطها في سياق حر، ولا يخضع الحرفيون لأي دفتر شروط، ويقدمون خدماتهم بشكل مباشر للزبائن”.

واللافت أن المصالح التجارية وهيئات الرقابة، لا تشترط إلى حد الآن أي تكوين أو شهادة اختصاص، وتكتفي بوثائق عادية في ملفات السجل التجاري، الأمر الذي سهل على الشباب ولوج هذه الحرفة، ما دام الأمر يتعلق بالسمعة التجارية لدى الزبائن، والقدرة على استقطابهم فقط.

تحيين وفك شفرة بعض الهواتف عملية معقدة لا تزال محل احتكار القليل من المحترفين

واستفاد هؤلاء من قلة الاتفاقيات المبرمة بين الصانعين والمصلحين، ليبسطوا هيمنتهم على السوق، ويسدوا فراغا كبيرا في مثل هذه الخدمات، فضلا عن قدرتهم على المنافسة وتقديم الخدمات والأسعار المناسبة والخيارات التي يوفرونها للزبائن بشأن قطع الغيار ونوعية والأكسيسوارات.

وتعدّ الجزائر نحو 40 مليون جهاز هاتف ومثل هذا العدد من الاشتراكات في الاتصالات الجوالة، ما يؤهل حرفة تصليح هذه الأجهزة لأن تكون مجال استثمار مدرّ وقابل للتوسع من طرف هؤلاء، الذين يتحدون تكنولوجيا العلامات الجوالة العالمية، رغم أن جلهم عصاميّ ولا يملك تخصصا دراسيا أو تكوينا في هذا المجال.

ويرى رئيس جمعية للتجار والحرفيين، أن “الهيئة لم تستطع ضبط الناشطين في مجال إصلاح الهواتف وبيع الأكسيسوارات، بسبب الانتشار الكبير للحرفة في مختلف ربوع البلاد، لكن المعطيات المتوفرة لدينا تفيد بأن النشاط في حاجة إلى تنظيم وضبط من طرف مصالح الرقابة الحكومية، للحد من الفوضى المستشرية”.

وقال طاهر بولنوار، لـ”العرب”، إن “مزاولي حرفة إصلاح الهواتف النقالة وبيع الأكسيسوارات، لا يتلقون أي تكوين حكومي أو خاص، ومصالح السجل التجاري لا تشترط شهادة في هذا المجال، فهم عصاميون تعلموا أسرار وخبايا الحرفة من تلقاء أنفسهم، وبفضل التجربة صاروا يتحكمون في مختلف التقنيات”.

ودعا المصالح الحكومية إلى ضرورة احتواء النشاط لإضفاء التنظيم والاحترافية عليه، وخلق تخصصات في هذا المجال لدى مراكز التكوين المهني، ما دامت الحرفة تستهوي الشباب بشكل كبير، ولسد حاجيات سوق واعدة آخذة في التوسع والانتشار.

وفي حي بلفور بضاحية الحراش بالعاصمة، الذي يعد أكبر أسواق الهواتف الخلوية في الجزائر، تفطن البعض لتنظيم دورات تكوين قصيرة للراغبين في الالتحاق بالمهنة، تترواح نفقاتها بين الألف والألف وخمسمئة دولار أميركي، إلا أن الأمر غير كاف بالنسبة إلى أحمد بن طير (23 سنة)، الذي التحق حديثا بالحرفة، بسبب تعدد العلامات وتطورها المتسارع.

ويمثل تحيين وفك الشفرة لبعض الأجهزة الهاتفية، عملية معقدة لا تزال محل احتكار ناشطين معينين في هذه الحرفة، بسبب تعقيدات التكنولوجيا وأسرارها، وتتم بمقابل معتبر يشترطه هؤلاء على الزبائن، في ظل هيمنة الاحتكار وغياب المنافسة كما هو الشأن بالنسبة إلى عملية الإصلاح أو اللواحق وقطع الغيار العادية.

ويذكر الشاب بن طير أحمد لـ”العرب”، أن “حرفة إصلاح الهواتف وبيع والأكسيسوارات، تعاني في المدة الأخيرة من الركود بسبب تكاثر المحلات المختصة، فالمردود الذي كانت توفره لأصحابها في وقت سابق لم يعد متاحا الآن، لكن مع ذلك تبقى وجهة أولى للشباب الراغب في كسب مصدر رزق، لا سيما وأن الأمر لا يتطلب تكوينا أو شهادة”.

وأضاف، “لا توجد مدارس تكوين ولا تنظيم للمهنة، وأجزم أن حركة سوق بلفور منذ نشأتها، هي حركة عصامية تعتمد على رأس المال والميول الخاصة للحرفي والولوج إلى الإنترنت للاطلاع على مستجدات أجهزة الهاتف النقال، فضلا عن رغبة الزبائن في تجاوز تعقيدات خدمات ما بعد البيع والانتظار الطويل”.

20