حرقة الكتابة وآلامها

الأحد 2016/10/02

إن الحديث عن الكتابة بالكتابة هي مسألة ثقافية بامتياز ما في ذلك من شك. والحديث عن الكتابة داخل الكتابة الأدبية هو مسألة حداثية جديرة بالانتباه. ذلك أن الكاتب وهو يتحدث عن الكتابة وعن حرقة الكتابة سواء في نص شعري أو في نص روائي يثير اهتمام القارئ ويشده إلى محاولة معرفة العلاقة الوطيدة التي تربط الكاتب بعوالم الكتابة وكيفية نظرته الخاصة إليها. وهو ما يستدعي الوقوف عند هذه المسألة ومحاولة استكناه تجلياتها وأبعادها شرقا وغربا.

إن هذه المسألة تعود بالأساس إلى الارتباط القوي الذي يحصل عند بعض الكتاب، وليس كلهم طبعا، بينهم وبين الكتابة، بحيث يتحوّل عندهم فعل الكتابة إلى فعل سحري يسبب الألم ويثير الرهبة، ويحوّلهم بالتالي إلى كتاب مهووسين به، لا يستطيعون الابتعاد عنه بالرغم من كل الآلام التي قد يسببها لهم. وربما أن هذا الأمر هو ما أشارت إليه الكاتبة الفرنسية مارغريت ديراس في البرنامج الثقافي الشهير “أبوستروف”، وهي تتحدث للإعلامي برنار بيفو، عن حرقة الكتابة وعن الرهبة التي يستشعرها بعض الكتاب وهم يحاولون أن يكتبوا بصدق وأن يعبّروا عن دواخلهم بكل تلك الشفافية الموغلة في العمق والراغبة في استجلاء عوالمهم المجهولة. وقد مثلت لهؤلاء الكتاب بكل من موريس بلانشو وجورج باتاي.

إن فعل الكتابة الحقيقي والمعاناة المرتبطة به هما سببان قويان يدفعان بعض الكتاب إلى محاولة ترويض فعل الكتابة عن طريق الحديث عنه والاقتراب منه قصد فهمه وتقريبه بالتالي إلى القارئ الراغب في معرفة ذلك. فالحديث عن الكتابة من خلال الكتابة يحوّل الكتابة إلى مرآة مضاعفة، أو لنقل إلى مرآتين متجاورتين.

مرآة أولى ترى فيها الكتابة ذاتها ومرآة ثانية ترى فيها صورة القارئ وهي تقدم له نفسها عارية من خلال عملية التشريح التي تتعرض لها بواسطة الكلمات المشكلة لها. وهي لعبة مغرية أصبح الكثير من الكتاب يمارسونها ويسعون إليها متخذين من خورخي بورخيس نموذجا يحتذى في هذا الجانب.

طبعا نجد لهذه اللعبة الكتابية جذورا قديمة منغرسة في التراث العالمي، كما نجد لها أيضا حضورا في التراث العربي نفسه. فكثيرا ما تحدث أبو الطيب المتنبي عن شعره داخل قصائده مبينا أهميته ومستعرضا آلامه الشخصية وهو يسعى للقبض على هذا الشعر وإخراجه في أجمل وأبهى وأقوى تعبير، بحيث قد مثّل له هذا الشعر قيمة ذاتية مرتبطة به أشد الارتباط إلى حدود تحوله هو بالذات إلى كائن شعري لا تحتمل قيمته الشعرية الباذخة في أعين حساده الكثيرين. وقل نفس الأمر عن كبار الشعراء قاطبة من أمثال أبي نواس وأبي تمام وفكتور هيجو وشارل بودلير وستيفان مالارمي وأرتير رامبو وغيرهم إن في الزمن القديم أو في الزمن الحديث.

وإذا كان هذا هو حال الشعر، فإن الكتابة داخل الكتابة في المجال السّردي تبدو أكثر وضوحا وانتشارا لا سيما عند الكتّاب الذين عانوا من آلامها، حتى وإن عبّروا عن هذه الآلام بكثير من المرح، مثلما فعل خورخي بورخيس أو ميلان كونديرا أو أمبرتو إيكو أو هاروكي موراكامي وسواهم.

إن فعل الكتابة ليس عملية سهلة، بل إنه عملية موجعة تسبب للكاتب آلاما كثيرة، فهو حين يكتب يخاف ألاّ يبدع فيما يكتب، وألا تستطيع كتابته أن تصل إلى ما يريده لها من جمال وألا تعبّر عن أفكاره كما يجب. وهو في كل هذا يعمل ويعاني بغية الوصول بها إلى ما يحب ويشتهي. لكن ذلك لا يتم له حتى وإن أعجب القارئ في بعض الأحيان بما يكتب. ذلك أن الكاتب، كما يقول رولان بارت “يسعى دائما لكتابة أدب مستحيل”.

كاتب من المغرب

14