حرق المراحل

الدول الثرية ذات الأجهزة والتقدم التقني الفظيع قفزت من الاتصالات شبه المعدومة إلى الإنستغرام في بحر عقود قليلة في مهرجان حرق مراحل كبير.
الثلاثاء 2018/04/03
صندوق البريد احترق مع المراحل

كان جليسي في الطائرة المتجهة إلى بلد عربي، رجلا من ذلك البلد الذي أقصده، بل ومن أعيانه والمبرزين فيه. الرحلة طويلة ونحن نتقاسم شغفا بالمعرفة بدا بلا حدود. هو يريد أن يعرف كيف يعيش المغترب في بريطانيا وأنا لا أشبع من طلب معرفة البلد الذي أقصده.

تشعب الحديث، ولسبب أو لآخر بلغ بنا الكلام أن جليسي قال بشيء من الزهو “في بلدنا كل شارع له اسم وكل مبنى في الشارع له رقم”. وأنا لأني مجامل إلى حد النفاق رحت أبدي دهشتي من أن للشوارع أسماء لكي أسعد رفيق رحلتي. رحت أردد عبارات من قبيل “يا رجل قل كلاما غير هذا. الشارع له اسم مثلي ومثلك؟ كيف بالله عليك؟” فقال بفخر وابتسامته تتسع “هو ما تسمع”.

طلبت تفسيرا لهذه الظاهرة الشاذة فقال: إذا أراد المواطن الإسعاف أو الشرطة أو المطافئ، فلم يعد مطلوبا منه أن يصف ويستطرد ويضيع الوقت في وصف الموقع وكيف أنه يقع بعد مبنى دفع فواتير الكهرباء والانعطاف يمينا لدى مخابز الأفراح ويمينا مرة أخرى لدى صيدلية الشفاء. أسرع وأدق أن يقول 78 شارع طلال بن سلمان مثلا، وستصل الإسعاف أو الشرطة أو المطافئ.

لاحظت أن ذهنه لم يستطع تفسير وجود عنوان سوى للاستدلال على الموقع لدى الجلطة الدماغية أو السطو المسلح أو الحريق. لم يكن يتصور أن للعنوان استخدامات كثيرة على رأسها البريد، لكني تذكرت أن هذه الدول التي لديها آخر التقنيات وأحدثها وأحسن الاتصالات وأحدثها لكن البريد لا يصل إليك بل تذهب أنت إليه وفق نظام صناديق البريد.

أعرف دولا لم تتوصل إلى ما وصلت إليه دول الحداثة الثرية هذه. هناك دول ذات اقتصادات أضعف بكثير لكن فيها “بوسطجي” يصل إلى القرى والنجوع ويحمل رسائل وفواتير. دعاوى المحاكم لا يحملها البوسطجي بل “المحضر” الذي تتشاءم منه النساء باعتباره نذير الطلاق. والآن تطور المسلمون واستغنوا عن الأوراق الشرعية. وأعرف فقيها كبيرا وداعية طلق زوجته برسالة نصيّة من الموبايل. وهذا من قبيل تجديد الخطاب الديني.

الدول الثرية ذات الأجهزة والتقدم التقني الفظيع قفزت من الاتصالات شبه المعدومة إلى الإنستغرام في بحر عقود قليلة في مهرجان حرق مراحل كبير. هذه دول احترق فيها البريد في ما احترق من مراحل، لكن البلد الذي أحرق مرحلة أهم في تطوره الولايات المتحدة، التي يقال عنها إنها انتقلت من مرحلة الهمجية إلى عصر الانحطاط دون المرور بالحضارة.

24