حركة أمل المحرومون ينكصون من الحزب إلى الميليشيا

السبت 2015/05/16
حزب لبناني مسلّح أسسه اثنان أحدهما أصبح وزيرا لدفاع إيران

خرج نبيه بري رئيس مجلس النواب اللبنانيين ورئيس حركة أمل، شخصياً، لينفي مشاركة أعضاء حركته في القتال في القلمون وبقية المناطق السورية، مع ميليشيا حزب الله، الذي يقول إنه يمارس العمل السياسي كحزب سياسي مثله مثل حركة أمل في لبنان، ذلك البلد الذي يعدّ من البلدان النادرة في تركيبتِها السياسيَّة والطائفيَّة، ففيه اعتباراتٌ تقوم على الانتماءات العقائدية في تقسيم السلطة والمناصب السياديَّة في البلد الواقعِ على ساحل البحر الأبيض المتوسِّط، بعضُ هذه التيَّارات والحركات السياسية تمتدُّ بجذورها أو أذرعها خارج حدود لبنان، وهو ما لاحظناهُ مؤخَّراً وخصوصاً منذ انطلاق الانتفاضة السورية في آذار من عام 2011.

أمل رحم حزب الله

لقد شكَّلَت الثورة السوريَّةُ زلزالاً أسقطَ الأقنعة التي كانت تختبئُ خلفَها كثيرٌ من الأحزاب التي تدَّعي القوميَّة أو تلك التي تتلطَّى خلف الرايات الإسلاميَّة والشعارات التي تُحاكي الروح البشريَّة، من تلك الحركات، حركة أمل اللبنانيَّة التي بدأت كحركةٍ مُسلَّحةٍ ثم انبثقَ عنها حزب الله في جنوب لبنان والذي كشَف القناع عن وجهِ أيديولوجيته العميقة حين أرسلَ جنودَهُ إلى المدن والأرياف السوريَّة لقتال الثائرين السوريين ضد النظام الذي حكَمَهُم بالحديد والنار.

فإذا كان حزبُ الله واضحاً في خياراتِ خساراتِهِ الشعبيَّة فإنَّ حركةَ أمل نفَت مِراراً وتكراراً مُشارَكَتَها بمقاتِلين من كوادِرِها في الجولات السوريَّة التي ما تزالُ تدور رحاها على الجميع، وقد عادَت إلى تأكيدِ النفي في الأيام الأخيرة حين انتشرت صُوَرٌ ثابتةٌ لمقاتلين يرفعون علم الحركة في جبال القلمون حيثُ يخوضُ حزب الله معاركَهُ في جولةٍ مصيريَّة، فقد أعلنَت قياداتٌ في أمل أنَّ الصوَرَ المنشورةَ تعودُ إلى عامينِ سابِقَين حيثُ تمَّ التقاطُها في منطقةِ البقاع الغربي اللبنانية، أيَّاً كانت حقيقةُ الصوَر التي تمَّ تسريبُها إلا أنَّها أرسلَت وميضاً للبحثِ في مواقفِ الحركة المتحوِّلةِ من السلاحِ إلى السياسة في وقتٍ متأخِّر.

اليد الإيرانية الصانعة

لا أصلَ ثابتٌ للتسميةِ الأولى لحركة أمل التي انطلقَت حاملةَ عنواناً عريضاً تحت رايةِ “المحرومين” التي أعلنها موسى الصدِر في دعوتِهِ الشهيرة في ذكرى عاشوراء خلال خطابِهِ المؤرَّخ في نهاية يناير من عام 1974، حين طالبَ اللبنانيين بتشكيلِ كتائبَ مقاومةٍ تكونُ مهمَّتُها التصدِّي للاعتداءات الإسرائيلية على البلاد التي كانت تُعاني من ويلاتِ الحرب الأهليَّة في ذلك الوقت، حين سقَطَت الرايَةُ الوطنيَّةُ أمام الانتماءات الضيِّقة، فكانت البدايةُ منذ عام 1974 في مؤتمرٍ صحفي في بعلبَك حيثُ تمَّ الإعلان عن قيام حركةِ المحرومين التي ما لبِثَت أن اتَّخذت في اليوم السادس من الشهر السابع من العام التالي للإعلان اسماً جديداً يتألَّفُ من ثلاث كلمات هي، أفواج المقاومةِ اللبنانيَّة وتمَّ اختصارُهُ بالأحرُف الأولى من العنوان العريض بكلمةٍ واحدةٍ، أمَل.

علم حركة أمل يكاد يتطابق مع الرسم الهندسي الموجود في العلم الإيراني، هذا التقاطع في التأسيس والشكل، لم يأت بالصدفة، فسياسة حركة المحرومين منذ تأسيسها حافظت على تحالفاتها الاستراتيجية وصلاتها العضوية مع طهران

تلك الظروف التي وُلِدَت بها حركة أمل من حربٍ أهليَّةٍ تعصِفُ بالبلاد المُنقَسِمَةِ أصلاً والواقعةِ تحت سيفِ المطامِع الإسرائيليَّة، جعلَت منها ملاذاً لكثيرٍ من اللبنانيين الذين تأثَّروا بفكر موسى الصدر الذي وُلِدَ في مدينةِ قم الإيرانيَّة في الرابع من يونيو من عام 1928، وعاش حياتَهُ في مُعظَمِ مراحِلِها هناك حيثُ تخرّجَ في جامعة طهران عام 1956 حاملاً إجازةً في الشريعة الإسلاميَّةِ والعلوم السياسيّة وليتوجَّه إلى النجف، مكمِلاً الدراسةَ في حوزاتِها مستقراً بشكلٍ نهائي في صور اللبنانية، ليبدأ بتفعيل عملِ جمعيَّةِ البر والإحسان ومن ثمَّة ليقوم بإنشاء مدرسة جبل عامل المهنيَّة التي لعِبَت دوراً كبيراً في رفد الحركة الجديدة بكوادرِها المتعلِّمة، وبعدَ أن ضمنَ موسى الصدر إرساء الأرضية الصلبة لمشروعِهِ بدأ بإنشاء المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان عام 1969 لتوحيد كلمة الطائفة الشيعيَّة ضمن نسيج المجتمع المدني في مواجهة الظلم الاجتماعي في تركيبةِ لبنان كما ورَد في أدبيَّاتِها.

في العام 1978 غابَ موسى الصدر في ليبيا إثرَ عمليَّةٍ مخابراتيَّةٍ ما تزالُ خيوطُها عصيَّةً على الحل رغم سقوطِ نظام معمَّر القذافي الذي كان المتَّهَمَ الأوَّل في تلك القضيَّة حيثُ لا يزال هذا اللغمُ قابلاً للانفجار في أيّ لحظةٍ في ظلِّ تأكيدات عائلة الصدر على بقائِهِ على قيد الحياة رغم مرور كل تلك العقود على اختفائِه.

الهيكل التنظيمي الذي أسسه الصدر ما يزال القائمون على الحركةِ يعملون به، كان قد ساهَمَ بوضعِهِ إلى جانبه مساعدهُ مصطفى شمران الذي وُلِدَ هو الآخر في طهران عام 1932، وعيّن وزيراً للدفاعِ في الجمهورية الإسلامية عقبَ الثورة على الشاه ليكون قائداً للحرس الثوري الإيراني وعضواً في برلمان الدولة الجديدة، بعد أن أدى دوره في تشكيل حركةِ المحرومين وذراعها العسكري أمل والتي اعتلى سدَّتَها عقب الصدر حسين الحسيني لمدّة عامين ليتلوه نبيه برِّي الذي قادَ زمام الحركة إلى جانب رئاستِهِ لمجلس النوَّاب اللبناني منذ العام 1980 وحتى اليوم.

العام 1982 يشهد بروز تيارين في حركة أمل الأول يقوده نبيه بري الذي كان يطالب بالانضمام إلى جبهة الإنقاذ الوطني اللبنانية، بينما وقف على الضفة الأخرى حسن نصرالله وعباس الموسوي اللذان رفضا الانخراط ضمن الجبهة الجديدة فاتجها إلى تأسيس حزب الله

انشقاق الأمل

بدايةُ ثمانينات القرن الماضي كانت مفصليَّةً في تاريخ الحركة الوليدة التي باتت تتّخذُ ملامِح وخطّةَ عملِها من صيرورة الأحداثِ المحيطةِ بها وسيرورتها، فمَعَ طغيان عواقِب الحرب الأهليَّة اللبنانية على ضواحي البلاد وأقضيَتِها استمرَّ العدوان الإسرائيلي من جهة الشمال الفلسطيني فاتَّجَهَت الحركةُ إلى زيادة التشكيلات المسلَّحة في بنيانِها التنظيمي لتكون موقعةُ خلدا على السواحل اللبنانية، مواجهةً صادمةً لضرورة السلاح، الذي شكَّل عبئاً في ما بعد على

الحركة، حين تمَّ الاصطدام بالوجود الفلسطيني المسلَّح أيضاً، وفي ظل هذه الظروف العصيبة وتحديداً في عام 1982 عقِبَ الاجتياح الإسرائيلي لبيروت برزَ تيّاران في حركة أمل الأول يقودُه نبيه برِّي الذي كان يُطالِب بالانضمام إلى جبهة الإنقاذ الوطني اللبنانية، بينما وقَفَ على الضفَّةِ الأخرى حسن نصرالله وعبَّاس الموسوي اللذَان رفَضا الانخراط ضمن الجبهة الجديدة فاتَّجها إلى تأسيس حزب الله بذريعة الاختلاف مع تيار نبيه بري في تفسير الإرشاد الذي تركَهُ موسى الصدر.

بعد أن وضَعَت الحرب الأهليَّةُ اللبنانيَّةُ أوزارَها وتم إسقاط اتفاق 17 مايو 1983، وبدأت البلادُ بالتعافي عقِبَ توقيع اتِّفاق الطائف في المملكة العربية السعودية بين أطراف النزاع والصراع اللبناني، انخرطَت الحركةُ في العمل السياسي محتفِظَةً بسلاحِها حيثُ شاركت في بعض المواجهات العسكرية إلى جانب قوَّات من حزب الله بينما ظلَّت كشَّافةُ الرسالة الإسلامية التي أسَّسَها الصدر تحظى بحضورٍ كبير ومتزايد في رفد الحركة بكوادرها البشرية في ظلَّ تعتيمٍ كاملٍ على قدراتِ الحركةِ العسكرية.

في ظلِّ التجاذبات السياسية التي تقعُ في لبنان عادةً، خاصَّةً بعد الرابع عشر من فبراير من عام 2005، أي بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري واستقالة الحكومة التي كان يرأسها الرئيس عمر كرامي، دخل المجلس النيابي في التعطيل والشلل، نتيجة تعليق الجلسات لعدم اكتمال النصاب القانوني، حين أغلَق رئيس المجلس ورئيس حركة أمل في ذات الوقت نبيه بري أبواب المجلس لأشهر متتالية، حتى تمَّ الاتفاق بين الأطراف الخارجيَّة التي تملكُ القرار اللبناني في ذلك الوقت، فتمَّ الصلحُ بين الجميع، ولكنَّ هذا الصلح ما لبثَ أن عادَ ليدخلَ في جمودٍ تارةً وقطيعةٍ تارةً أخرى في ظل نشوء تحالفاتٍ جديدةٍ فرَضَتها المعادَلَةُ السياسية القادمة مع المشهد الجديد، وأمام كل هذا حاول القائمون على حركة أمل أن تكون الحركة أكثر ديناميكيَّةً فعمِلَت على حفظِ تحالفاتِها، وكانت هذه التحالفات مرتبطة بالطريق إلى دمشق أو علاقة الآخرين بالنظام السوري ورأس الهرم فيه كما تُشير الكثير من التقارير والدراسات.

بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري واستقالة الحكومة التي كان يرأسها الرئيس عمر كرامي دخل المجلس النيابي في التعطيل والشلل، نتيجة تعليق الجلسات لعدم اكتمال النصاب القانوني، حين أغلق رئيس المجلس ورئيس حركة أمل في ذات الوقت نبيه بري أبواب المجلس لأشهر متتالية

أمل في ورطة سوريا

لبنان بصيغتِهِ الرسمية أعلَنَ النأي بالنفس في مصطلحٍ باتَ ملتصِقاً بالتعبير السياسي اللبناني الرسمي بينما تفرَّعَت تحت هذه المظلَّة جملةٌ من المواقِف المختلفة بين الفرقاء اللبنانيين فمنهم من دعَمَ الحراكَ الشعبي في انتفاضةِ السوريين، ومنهم من أعلَنَ خيارَهُ جهاراً في دعم النظام الحاكم في دمشق فرأينا أعداءَ الأمسِ أصدقاءَ اليوم في مشهدٍ ما كانَ ربَّما سيحدُث لولا الثورة السورية، وبالنسبة إلى حركة أمل فقد ذهبَت في موقِفِها الرسمي نحو الدعوة للحلِّ السياسي للأزمة العاصفة بسوريا، في تعبيرٍ اعتبرَهُ المتابعونَ أنَّهُ أقرب إلى الحياد الإيجابي في محاولةٍ لفصلِ الموقف الرسمي اللبناني الذي تلتزمُ به الحركةُ ضمن اللعبة السياسية وبين إرضاءِ كوادِرِها المُفعَمين بالتأييد العاطفي النابع من قيَمٍ عقَدِيَّة تجاه الطائفة الحاكمة في سوريا، وعلى اعتبار أنَّ حركةَ أمل هي المركز الذي انطلَقَ منهُ حزبُ الله في مسيرتِهِ فإنَّ الخيارات بين الطرفين كانت مختلفةً في العلَن بين كوادرِ حزب الله الذي زجَّ بهم في المعركة السورية وبين كوادر أمل الذين لم تسمح لهم الحركة بالمشاركة في القتال رغم الدعوات المتكررة التي أطلقها شبَّانٌ متحمِّسون للذهاب إلى سوريا، فيما تشيرٌ كثيرٌ من التقارير أنَّ كوادر محسوبين تقليديَّاً على حركةِ أمل قُتِلوا في معارك القصير في حمص بينما لم يصدُر أيّ موقف رسمي للحركة تجاه هذه التقارير في صمتٍ تقطعهُ بعض الإعلانات الإعلامية عن عدم مشاركةِ الحركةِ بالقتال في سوريا.

بين طهران ودمشق

علم حركة أمل الذي يتَّخذ من رسم أمل في قلب رايتِهِ، يكادُ يتطابقُ مع الرسم الهندسي الموجود في العلم الإيراني، هذا التقاطع في التأسيس والشكل، لم يأتِ بالصدفة، فسياسةُ حركة المحرومين منذ تأسيسها وتحوُّلِها إلى حركة أمل في مرحلة لاحقة قبلَ انفصال حزب الله عنها وبعده و بقائِهِ معها في ذات الخندق والمسار حافَظَت على تحالُفاتِها الاستراتيجيَّة وتعاملَت سياسيَّاً على مسارَين الأوَّل تكتيكي تطلَّبَ من القائمين على الملف السياسي في الحركة الخضوع للعبة التجاذبات الداخليَّة اللبنانيَّة سواءً في مجلس النوّاب أو في الحكومة التي دخلت في سراديب مظلمة منذ اغتيال الحريري عام 2005 في بيروت، أما الهدف الثاني فهو استراتيجي يقومُ على الحفاظ على الأهداف التي وضعَها المؤسِّس موسى الصدر والعمل على تحويلِها حقيقةً على أرض الواقع، فالمراحل التي مرَّت بها الحركةُ عبر هزَّات المنطقة عموماً أثبتت حرص القائمين عليها على تذليل كل ما قد يعترِض وجودَها، ولنا في مرحلة الصراع مع المخيَّمات الفلسطينية في لبنان مثال واضح لسياستِها التي تقومُ على حفظ المصالح، فماذا لو تطلّبَ أمن الحركةِ لبنانيَّاً أو أمنُها في الحفاظِ على تحالفاتِها العابرة للحدود المشاركةَ الرسمية في سوريا على غرار حزب الله و مقاتليه؟

12