حركة "السوبر ستروك" المعاصرة: عنف استعمال الفرشاة وإفراط في التعبير

الاثنين 2014/06/23
رسومات الـ"سوبر ستروك" تجمع بين الواقعية والتجريدية

لندن- لا تقتصر التيارات والمذاهب الفنية على أوروبا وأميركا على وجه التحديد على الرغم من أنهما منجم للحركات والمدارس الفنية. فالقارة السمراء لها حصتها أيضا، فـ”السوبر ستروك” هو مصطلح يُستعمل لتوصيف حركة الفن المعاصر التي تعود بجذورها إلى جنوب أفريقيا، وهي واحدة من الحركات الفنية المؤثرة في ما يتعلق بالتجريد والحداثة الأفريقية.

ينطوي اسم هذه الحركة الفنية على معنى شديد الدلالة مفاده أن ضربات الفرشاة لفناني هذه المجموعة لا بدّ أن تكون عنيفة وفائقة في أدائها وتعبيريتها. لم تنطلق هذه الحركة الفنية من فراغ، فقد تأسست كرد فعل على تأثير حركة الـ”سوبر فلات” التي أسسها الفنان الياباني المعروف تاكاشي موراكامي على الفن المعاصر.

غير أن أعضاء هذه الحركة الفنية وأساطينها أمثال غريك سيمونز، كونراد بو، مستر سبوتنِك، ديزيل وجاكو أيروَي وغيرهم من الفنانين الذين توحدوا تحت لافتة هذه الحركة، والتزموا باشتراطاتها الفنية التي تمثلت في البيان الذي أصدره الفنان الجنوب أفريقي كونراد بو عام 2008، والذي تضمن ثماني نقاط نوردها كلها لأهميتها في كشف التقنية التي يعتمدها فنانو “السوبر ستروك”. وأول هذه الاشتراطات أن تنفَّذ اللوحات بضربات فرشاة عنيفة وتعبيرية على السطح التصويري كله أو أجزاء محددة منه.

يشدّد المانيفستو على ضرورة استعمال الصورة في الرسم التشخيصي، الاعتراض الوحيد هو ألا تنتمي هذه الصورة إلى الواقعية التصويرية وإنما إلى المذهب التعبيري الذي يستنطق الانفعالات العميقة، ويرصد المشاعر الداخلية للإنسان.

يؤكد البيان على ضرورة استعمال الفرشاة العنيفة، لكن ذلك لا يمنع من استعمال قلم الرصاص أو الحبر أو الفحم وما إلى ذلك، شرط أن تكون الضربات مفرطة في التعبير والعنف.

يمكن لفنان الـ”سوبر ستروك” أن ينفذ لوحاته بالأسلوبين التجريدي والتشخيصي اللذين يعبِّران عن دواخل الفنان المنفعلة والمتفاعلة بما يدور حولها من وقائع وأحداث قد يكون جزءا منها، أو مراقبا لها.

يشجع القائم على البيان أن تكون الثيمات عن الضياء والظلام والحياة والموت وعن أفريقيا نفسها. ولغاية التأثير في المتلقي يحثّ البيان على استعمال الكولاج، والستينسل، والخط. لا يُحصر استعمال الفرشاة على الورق والكانفاس والخشب وغيرها من السطوح التصويرية، بل يمتدّ إلى الأعمال النحتية المنفذة بمختلف المواد.

وأخيرا، لا ينطبق مفهوم الفن من أجل الفن على حركة “السوبر ستروك”، فالفن في “السوبر ستروك” هو من أجل “السوبر ستروك” نفسها، حيث يقاتل الفنان من أجل تأكيد التعبيرية في ضربات الفرشاة، أو ضربات قلم الرصاص، أو أي قلم آخر يستطيع أن يجسّد انفعالات الفنان على سطح اللوحة.

جدير ذكره أن المانيفستو أعلاه قد عُدِّل قليلا بالاشتراك مع الفنان غريغ سيمونز، لأن نقاطه لم تتحدث كثيرا عن فن النحت. ينبغي على الفنان المنتسب إلى حركة “السوبر ستروك” أن يتبّع تقنيات معينة في إنجاز عمله الفني، فالعنف لا يقتصر على ضربات الفرشاة فحسب، وإنما يتعداه إلى رسم الخطوط المتعرجة من جهة، ورسم الخطوط المتصالبة بطريقة تعبيرية.

هذا ناهيك عن استعمال العلامات الرياضية مثل الـ (+) و(-) و(=) على سطوح اللوحات، وربما جاء استعمال هذه الإشارات الرياضية لتمييز لوحات هذه الحركة عن حركة الكوبرا، والمدرسة التعبيرية التجريدية، والمذهب التجريدي الجديد.

تمّ اشتقاق اسم الـ”سوبر ستروك” من الـ”سوبر فلات”، وهذه الأخيرة هي حركة فنية تقدّم أعمالا دقيقة جدا ذات سطوح ملساء ومستوية، أي عكس الـ”سوبر ستروك” تماما التي ينصبّ فيها التركيز على الجانب التعبيري الذي نلمسه من عنف الفرشاة وقوتها وجنونها، حيث يسعى الفنان إلى أن يستعمل موادّ متنوعة، مثل غبار الرخام أو الألوان المعصورة من عبواتها مباشرة على سطح اللوحة، حيث تغيب اللمسات الناعمة التي يمكن أن نجدها في لوحات الـ”سوبر فلات”.

لا بدّ من التذكير بأن موراكامي، مؤسس الـ”سوبر فلات” قد تأثر هو الآخر بالمانغا والميني اليابانيين، ونعني بهما “القصص المصورة والرسوم المتحركة” اليابانية، التي خرقت الآفاق وغزت الأسواق الأوروبية والأميركية. بينما تأثر أقطاب الـ”سوبر ستروك” بثلاثة فنانين كبار وهم ألبيرتو جياكوميتي، وبابلو بيكاسو وفنسنت فان كوخ.

وعلى الرغم من كل المؤثرات المشار إليها أعلاه إلا أن رسومات الـ”سوبر ستروك” تبقى متنوعة وغنية تمتدّ من الواقعية إلى التجريدية، دون أن تتفادى المرور بالمناخ التعبيري الذي لا تلتزم باشتراطاته كليا.

يحتاج المتلقي غير المحترف إلى ضرورة التفريق بين الـ”سوبر ستروك” والمدرسة التعبيرية بكل تجلياتها التجريدية من جهة، وبين حركة “الكوبرا” التي تعوّل كثيرا على الألوان الساطعة، وضربات الفرشاة العنيفة أيضا من جهة أخرى، لكن تظل شخصياتها البشرية أو “فيغراتها” عموما مشوهة المعالم وتتكئ هي الأخرى على الجانب التجريدي كثيرا.

ولغاية تركيز هذه المدرسة المعاصرة جدا في أذهان الناس، لا بدّ من تأمل لوحات بعض رموزها وعلى رأسهم كونراد بو، غريغ سيمونز وجون زافاردينو وسواهم من الفنانين المبدعين الذين يراهنون على مواهبهم، وتقنياتهم، ورؤاهم الفنية التي تُحيل إليهم بوصفهم علامات فارقة في المشهد التشكيلي العالمي.

16