حركة الطلبة الدارسين في الخارج تغير خارطة التعليم الدولي

التفاوت في مستويات الجامعات من حيث جودة التعليم والقدرة التنافسية لخريجيها خلق حركية واسعة في صفوف الطلبة الذين ينتقلون من أوطانهم إلى الدول التي يجدون فيها ما يلبي طموحاتهم المهنية. ويعتبر طلبة دول الاقتصاديات الناشئة نموذجا لهذه الحركية حيث تحفزهم حكوماتهم التي تعتبر الأكثر استثمارا في توسيع نظم التعليم العالي من أجل الحصول على أعلى درجات التأهيل لطلبتها ليكونوا عناصر لتنمية دولهم.
الثلاثاء 2015/11/24
هجرة الطلبة للدراسة خارج مواطنهم تثري تجربتهم بالانفتاح على ثقافات أجنبية

لندن- تشجع العديد من الدول في العالم والدول العربية بالخصوص طلبتها على التفوق في نتائجهم الدراسية ليكونوا من المستفيدين من الاستثمارات الحكومية في التعليم العالي والتي تأتي على رأسها منح الدراسة بالخارج وكذلك دعمهم وتسهيل ابتعاثهم للجامعات الأجنبية للحصول على شهادات عليا في الاختصاصات التي تضمن لهم الوظيفة وتضمن استفادة الدولة من اختصاص يحتاجه اقتصادها وذلك من خلال ضمهم إلى أكبر المؤسسات العابرة للحدود في مجال التعليم والبحوث والتبادلات التي من شأنها أن تحسن خبراتهم وقدراتهم.

وحسب إحصاءات موقع “ايساف مونيتر” المختص في رصد وتحليل مستجدات التعليم العالي على نطاق دولي فإن خمسة ملايين طالب يدرسون خارج بلدانهم الأصلية خلال هذا العام، أي أكثر من ضعف عدد الطلاب لعام 2000 وأكثر من ثلاثة أضعاف العدد لعام 1990. ويمكن تفسير هذا النمو بأن تبادل المعارف والمهارات يواكب نمو التبادل الاقتصادي بين مختلف الدول في العالم.

ومن بين الخمسة ملايين طالب الذين يتلقون تعلميهم في الخارج نجد أن عددا كبيرا منهم يتابعون الدراسات اللغوية، فهناك حوالي مليوني طالب يسافرون لدراسة اللغة، ويدرس قرابة ثلثيهم اللغة الإنكليزية.

وفي السنوات الأخيرة، يتحول عدد هائل من الطلاب الأجانب إلى الولايات المتحدة، وكندا، والمملكة المتحدة، وأستراليا، ونيوزيلندا قادمين من البلدان الآسيوية خاصة منها الصين والهند وكوريا الجنوبية، هذه الدول أصبحت من المصادر الرائدة في مجال تنقل الطلاب لمزاولة تعليمهم في الخارج على الصعيد العالمي، حيث يمثل الطلاب الآسيويون 53 بالمئة من إجمالي الطلاب في الخارج.

5 ملايين طالب يدرسون خارج بلدانهم الأصلية خلال العام الدراسي 2016-2015

كما أصبحت هذه القارة وجهة مقنعة للطلبة الأجانب، ولا سيما، من داخل المنطقة، الصين، حيث استقبلت أعدادا متزايدة من الطلاب الإندونيسيين والكوريين على حد سواء في السنوات الأخيرة.

ويشهد عدد الطلبة الإندونيسيين في الصين ارتفاعا سنويا بمعدل 10 بالمئة منذ عام 2010، وهناك حوالي 14 ألف طالب إندونيسي يدرس حاليا في الصين. واليوم تحتل 24 جامعة آسيوية مراتب متقدمة من بين أفضل 200 جامعة في العالم وفقا لتصنيف التايمز الدولي للجامعات لعامي 2014-2015 وهي تمثل حوالي ثمن العدد الجملي.

ومن أجل دعم التنويع الثقافي وحركة الطلبة الأجانب من مختلف الجنسيات تكافح الدول الأفريقية لتلبية الطلبات على التعليم العالي، خاصة في ظل تضخم عدد السكان الشباب وارتفاع نسبة البطالة.

وتستثمر هذه الدول في بناء الكفاءات العليا وتحسين جودة نظم تعليمها العالي، ولكن مثل هذه المبادرات والإصلاحات كتلك التي اتخذتها تونس والمغرب لا تسفر عن نتائج في فترة وجيزة. وفي هذه الأثناء، مثلت الدراسة في الخارج خيارا مغريا لطلبة الدول الأفريقية وكذلك دول أميركا اللاتينية حيث يسعى الشباب، إلى تحصيل مستوى طيب من التعليم يخول لهم دفع عجلة اقتصاد دولهم إلى الأمام.

وإلى جانب الدعم الحكومي والوضعية العامة للدولة الأم وسياساتها التعليمية تتدخل عوامل أخرى في هجرة الطلبة للدراسة في الخارج وتحدد كذلك اختياراتهم لمكان الدراسة، وتتمحور هذه الظروف حول الوضع المادي ومستوى الدراسة، والنصائح التي يسديها الأصدقاء والأسرة، والوكلاء، إلى جانب تصوراتهم بشأن صورة وسمعة المؤسسة أو الدولة المزمع الدراسة بها، حيث تؤخذ بعين الاعتبار السياسات المؤسسية في دول المقصد وشعبيتها بين قاصديها والمهاجرين المقيمين فيها خاصة من الطلبة. وغالبا ما يتأثر قرار الطالب بتكلفة المعيشة وتقلبات العملة وتوفر التدريب والعمل بعد الدراسة وفرص الهجرة.

معظم الطلاب الذين يختارون الدراسة في الخارج يتوجهون نحو دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بما أن التبادل والعلاقات تكثفت بين الاقتصاديات الغربية والآسيوية

وتلعب برامج المنح الدراسية دورا هاما في اختيار الطالب لوجهة الدراسة، وفي عام 2015 لا تزال الولايات المتحدة الوجهة الرائدة في العالم، ومن المتوقع أن تسجل رقما قياسيا في عدد الطلاب لهذا العام رغم أن حصتها في السوق الأميركية تراجعت من حوالي 23 بالمئة من مجموع الطلبة المتنقلين عام 2000 إلى 17 بالمئة عام 2011.

يبدو أن معظم الطلاب الذين يختارون الدراسة في الخارج يتوجهون نحو دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بما أن التبادل والعلاقات تكثفت بين الاقتصاديات الغربية والآسيوية في السنوات الأخيرة، إلى جانب سعي الدول الآسيوية إلى توسيع وتحسين جودة أنظمة التعليم العالي، ومن الأرجح أن تشهد أنماط التنقل مزيدا من التنوع خلال العقد المقبل.

لكن تظل المؤسسات التعليمية الأميركية والبريطانية تحظى بأعلى نسبة جذب نخبة الطلبة من حيث التفوق في الدراسة والثراء، غير أن هذا لا يحجب النمو المطرد لمؤسسات التعليم العالي الآسيوية وتقدمها في ترتيب الجامعات على المستوى العالمي.

كما أن قطاع التعليم الدولي تغير من حيث مكوناته في وقت قصير نسبيا ولم يعد حكرا على الدول ذات الاقتصاديات الكبرى ولا على شريحة صغيرة من الطلبة المحظوظين وهو ما من شأنه أن يحفز الحكومات العربية على دعم طلبتها للارتقاء بمستوى مخرجاتها بالانفتاح أكثر على التعليم الأجنبي الذي يشهد تقدما نحو شمولية أكثر إذا تحملت الأطراف المتداخلة من حكومات وجمعيات ومؤسسات تعليمية المسؤولية في دعم الطلبة الراغبين في الدراسة في الخارج وتسهيل التبادل وفتح الآفاق أمامهم للإبداع من أجل تحقيق المزيد من النمو والتقدم لبلدانهم.

17