حركة النهضة الإسلامية.. "التقية" السياسية المبكرة

الأربعاء 2013/08/07
حصول الحركة على التأشيرة لم تحسم ترددها بين الحزب والجماعة

لم تشذ حركة النهضة التونسية عن قاعدة ارتبطت بكل التيارات الإسلامية التي تطرح على نفسها مهام خوض الشأن السياسي، وهي التخبط والمراوحة بين المعلن والمضمر، وبين البرامج والأطروحات.

استطاعت حركة النهضة التونسية ذات التوجه الإسلامي- كانت تسمى الاتجاه الاسلامي عند الإعلان عن تأسيسها- أن تختلف عن الحركات الإسلامية الأخرى في العالم العربي، وذلك باختيارها منذ نحو ثلاثين سنة منحى سياسيا داعيا للتغيير السياسي، بعيدا عن شعارات الحركات الإسلامية المعهودة في تطبيق الشريعة، والتركيز على مقولات مثل الدولة الإسلامية والمجتمع المسلم، وفق مصطلحات وتصورات مستوحاة من فترات سابقة من تاريخنا الإسلامي، ولا تراعي التطورات السياسية والحقوقية، التي وصلت إليها البشرية عبر تراكم تجاربها.


البحث عن موطئ قدم


منذ اليوم الأول للإعلان عن نفسها بصفة علنية، وتقدمها للحصول على مطلب حزب سياسي في شهر جوان (يونيو) 1981، سعت حركة النهضة إلى التمايز عن الحركات الإسلامية الأخرى، وأن تكون في طرحها أقرب إلى الأحزاب الديمقراطية.

لقد كان نصب أعين قادة الاتجاه الإسلامي، وهم يعلنون تأسيس حركتهم، الأخطاء التي وقعت فيها الحركات الإسلامية الأخرى في عدد من البلدان العربية والإسلامية، وكذلك موجة النقد التي طالتها من الأحزاب الديمقراطية واليسارية، ومن المنظمات الحقوقية التي كانت بصدد التشكل حين أعلنت الحركة عن ذاتها، وكذلك وبالأساس من تيار الإسلاميين التقدميين الذي انشق عنها مبكرا وكان يحمل أفكارا جريئة بخصوص توجهات الحركة الإسلامية وعلاقتها ببيئتها التونسية.

بناء على ذلك كان تأكيد الحركة منذ البداية على مبدأ النسبية في النظرة إلى الإسلام من جهة، وفي طبيعة العمل السياسي من جهة ثانية. فهي حركة «لا تقدم نفسها ناطقا رسميا باسم الإسلام في تونس ولا تطمع يوما في أن يُنسب هذا اللقب إليها». وهي أيضا مع إقرار حق جميع التونسيين في التعامل الصادق المسؤول مع الدين (…) كما أنها غير ملزمة بكل صنوف التحركات والمواقف التي قد تبرز هنا وهناك ـ إلا ما يقع تبنيه منها بصورة رسمية ـ مهما أضفى أصحاب هذه التحركات على أنفسهم من براقع التدين ورفعوا رايات الإسلام».

كان الإعلان عن طلب حزب سياسي، حسب العديد من مؤسسي الحركة، لحظة حسم بين تيارين كادا يشقان الحركة، أحدهما تبنى المقولات الإسلامية الحركية السائدة من نوع الجاهلية، والحاكمية لله، والدولة الإسلامية وغيرها من المفاهيم، التي روّجتها الحركة ذاتها عبر كتب منظري هذه المفاهيم، من أمثال أبي الأعلى المودودي وسيد قطب، ومحمد قطب وغيرهم من القيادات الإسلامية، الذين أصبحوا مراجع لدى الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي، لما ابتكروه من مفاهيم جذبت فصائل هامة من الشباب التونسي. وقد ساهمت حركة النهضة في ذلك باعتبارها روّجت تلك الكتب على أوسع نطاق، وشجعت على نشرها وتوزيعها عبر مكتبات مختصة في مختلف أنحاء البلاد التونسية.


محاولات التوفيق


لم يكن من السهل إقناع جميع قادة الحركة ومناصريها بتلك القناعة، التي عبر عنها بنعيسى الدمني وهو أحد القيادات الليبرالية المنفتحة للحركة. لذلك فإنه عند الرجوع إلى الأهداف والوسائل، التي أعلنتها الهيئة التأسيسية للحركة، نجدها تعبر بجلاء عن توفيقية واضحة بين جملة من مفاهيم الحركات الإسلامية ومفاهيم الليبرالية السياسية، التي تريد أن تنخرط فيها هروبا من السرية وما قد تنتجه من انغلاق فكري، وملاحقات أمنية. فقد كانت حركة النهضة تدعو عند تأسيسها إلى أهداف ووسائل تعكس الكثير من الحذر، حتى لا تقطع الحركة مع المفاهيم الحركية الإسلامية، وكذلك لا تصادم المفاهيم الليبرالية السائدة.

وتتجلى تلك التوفيقية في شعارات من مثل «بعث الشخصية الإسلامية لتونس حتى تستعيد مهمتها كقاعدة كبرى للحضارة الإسلامية بأفريقيا، ووضع حد لحالة التبعية والاغتراب والضلال، وتجديد الفكر الإسلامي على ضوء أصول الإسلام الثابتة ومقتضيات الحياة المتطورة وتنقيته من رواسب عصور الانحطاط وآثار التغريب، والدعوة لاستعادة الجماهير حقها المشروع في تقرير مصيرها بعيدا عن كل وصاية داخلية أو هيمنة خارجية، وإعادة بناء الحياة الاقتصادية على أسس إنسانية وتوزيع الثروة بالبلاد توزيعا عادلا على ضوء المبدأ الإسلامي: الرجل وبلاؤه، الرجل وحاجته».


حقيقة المضمر


كما لم تجعل حركة النهضة من إعلان تأسيسها مواجهة مع الحكم مباشرة، لذلك لم يكن تعرضها للإسلام عند الإعلان في علاقته بالدولة، وإنما دعت إلى المساهمة في بعث الكيان السياسي والحضاري للإسلام، على المستوى المحلي والمغربي والعربي والعالمي، حتى يتم إنقاذ شعوب تلك المناطق والبشرية جمعاء مما تردت فيه من ضياع نفسي وحيف اجتماعي وتسلط دولي. فهي تشير إلى أن الإسلام حل للمشاكل المختلفة التي يعيشها المغرب العربي والعالم عامة، دون أن تنادي مباشرة مثل حركات إسلامية أخرى بأن الإسلام هو الحل.

غير أن ذلك الاستنتاج لا يعكس حقيقة برامج الحركة، ومفاهيم جميع قياداتها في بداياتها، وإنما أصبح يطرح كنتيجة لقراءات متأخرة لمسار الحركة بعد التجارب المختلفة والمراجعات المتعددة. ولعلَّ المتأمل في الوسائل، التي أعلنت عنها الحركة عند تأسيسها، لا يجد ذلك الوعي الديمقراطي المعلن عنه اليوم واضحا بما يتناسق مع المفاهيم الديمقراطية الدستورية .

كان لافتا في البيان التأسيسي لحركة النهضة أنها لم تستعمل مصطلح الديمقراطية، كما أنها لم تنحز إلى المفاهيم المعاصرة بقدر ما عبّرت عن مفاهيم عامة، تختزن الكثير من الحماسة ومن حسن النية، أكثر مما تعبر عن برنامج ديمقراطي يمكن أن يُستنتج منه إيمان فعلي بالديمقراطية وما تفرضه من مؤسسات متكاملة.

إلا أن الحركة بمجرد إعلانها عن المبادئ المستمدة من الديمقراطية، سرعان ما تعود للحديث عن اعتماد التصور الشمولي للإسلام، والتزام العمل السياسي بعيدا عن اللائكية «العلمانية» والانتهازية، وبلورة الصورة المعاصرة «لنظام الحكم الإسلامي وتجسيمه بما يضمن طرح القضايا الوطنية في إطارها التاريخي والعقائدي والموضوعي مغربيا وعربيا وإسلاميا وضمن عالم المستضعفين عامة، وإعادة الحياة إلى المسجد كمركز للتعبد والتعبئة الجماهيرية الشاملة، أسوة بالمسجد في العهد النبوي وامتداد لما كان يقوم به الجامع الأعظم، جامع الزيتونة، من صيانة للشخصية الإسلامية ودعما لمكانة تونس كمركز عالمي للإشعاع الحضاري.

ولا شك في أن المقارنة تبرز اختلاف تلك المفاهيم، مما يؤكد الفكرة التي ذهبنا إليها حول صدق النوايا وتداخل المفاهيم بين الرغبة الديمقراطية والتصورات التي لم تكن جميعها متطابقة مع المبدأ الديمقراطي.

خلاصة من بحث لطفي حجي «مراجعات النهضة التونسية»، ضمن الكتاب 37 (يناير 2009) «مراجعات الإسلاميين الجزء الثاني» الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي

13