حركة النهضة التونسية تنتقم لنفسها عبر "صندوق الكرامة"

السبت 2014/01/04

منذ أكتوبر 2012، أي بعد نفاد مدّة السّنة التي حدّدها الأمر الانتخابيّ الذي دعا التونسيّين إلى انتخاب مجلس تأسيسيّ، شرع المجتمع السياسيّ والمدنيّ في تونس في البحث عن الحلول لإنقاذ البلد من الانحدار الفاجع نحو الهاوية الذي يدفع إليها بعد فشل تجربة حكم الترويكا التي تقودها حركة النهضة في تحقيق أهداف الثورة، لا بل إنّها انحرفت بهذه الأهداف وحوّلت وجهة الحكم لتحقيق مشروعها الاستخلافيّ وخدمة الموالين لها فقط دون بقيّة التونسيّين وتشجيع مظاهر الأفغنة والتريّف والتبشير بالمجتمع الأهليّ بديلا عن المجتمع المدنيّ ودولة القانون والمؤسّسات.

إذن، انتهت السّنة المفوّضة ولم تنجَز المهمّة (كتابة الدستور) ولم تحلّ المشاكل (التشغيل/ التنمية/ العدالة الاجتماعيّة)، وخُلق وضع دراميّ جديد بتشجيع ومباركة معلنين من حركة النهضة (الاغتيال السياسيّ والإرهاب وتحوّل التهريب من ظاهرة تحت السيطرة إلى مافيا بعد فقدان السيطرة على الحدود مع الجزائر ومع ليبيا)، كلّ هذا مع إصرار وعناد طفوليّين من حركة النهضة في رفض تقييم تجربتها بالفشل وفي ادّعائها التوفيق في مهمّتها ورفضها بالتالي الخروج من الحكم ملوّحة بورقة خطر الوقوع في الفراغ إذا أجبرت على مغادرته.

كان الحوار الوطنيّ المخرج الذي وجده المجتمع المدنيّ في تونس بقيادة الاتّحاد العام التونسيّ للشغل لإنقاذ تونس من الهاوية. فهو ممارسة مدنيّة سلميّة متحضّرة قد يكفي الجميع شرورا كثيرة. لكنّ حركة النهضة وحزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة لم يتركا حيلة ووسيلة لإفشاله إلاّ وفعلاها. وساهمت رئاسة الجمهوريّة في ذلك كعادتها. واختطفت المبادرة من اتّحاد الشغل وحاولت الإشراف على الحوار الوطنيّ بإقصاء الاتّحاد وبقيّة المنظّمات الوطنيّة والأحزاب الكبرى. وفشلت محاولات الرئاسة جميعها. وبعد اغتيال الشهيد محمد براهمي القياديّ في الجبهة الشعبيّة يوم 25 يوليو 2013، عاد الاتّحاد العام التونسيّ للشغل ليستلم مبادرة الحوار الوطنيّ ويشرف عليها ويديرها. وبعد ستّة أشهر مضنية من الحوار والمناقشات والآمال والانكسارات، نجح الاتّحاد وشركاؤه في ترشيح رئيس حكومة جديد بديلا لعلي لعريّض.

كان التونسيّون يرون في الحوار الوطنيّ مخرجا سلميّا لتونس وآمنا لحركة النهضة التي خرّبت الدولة ومؤسّساتها والوطن بما لاحظنا أعلاه. ولكنّ حركة النهضة رأت فيه غير ذلك؛ رأت فيه جولة خاسرة من جولات معركة توطين المشروع الإخوانيّ الإسلاميّ في تونس. انحنت الحركة لتمرّ عاصفة الحوار الذي تكرهه، فيبدو ألاّ شيء عندها أشدّ مقتا من الحوار، وإذا تركنا جانبا تصريحات راشد الغنّوشي عقب الإعلان عن اسم المرشّح الجديد لرئاسة الحكومة، فإنّ حركة النهضة ترى أنّها ربّما خسرت جولة الحوار الوطنيّ إذا قسنا نتائجه بمقاييس معيّنة، ولكنّها حتما لم تخسر المعركة كلّها. وهي تتصرّف باستراتيجية سياسيّة عسكريّة تقوم على المناورة والتقدّم والتراجع حسب مقتضيات النزال.

بعد الانكسار في الحوار الوطنيّ الذي قبلت فيه حركة النهضة مجبرة ترك الحكم، جاء قانون الماليّة لسنة 2014 الذي بدأ الإعداد له أثناء الانشغال بجولات الحوار الوطنيّ. ناقش اتّحاد الصناعة والتجارة والاتّحاد العام التونسيّ للشغل والأحزاب الليبراليّة واليساريّة والوسطيّة هذا القانون، وأطلقت جميعها صيحة فزع مفادها أنّ هذا المشروع لو تمّ تمريره بهذه الصيغة فسيكون الضربة القاصمة لتونس واقتصادها وأمنها السياسيّ والاجتماعيّ.

وبما أنّ الوقت انتهى ولم يكن هناك مجال للمراجعة، وكلّ شيء كان معدّا سلفا طبعا، مُرّر القانون على شاكلته تلك رغم احتجاج المعارضة والمنظّمات الوطنيّة الكبرى التي لم تقع استشارتها أثناء إعداده. وكان فارس هذا القانون وزير الخزانة التونسيّ في حكومة الترويكا إلياس فخفاخ، وهو من حزب التكتّل من أجل العمل والحريّات. دافع الوزير فخفاخ عن قانونه باستماتة منذ أن وقع نشره على موقع الوزارة. وقضّى أيّاما متنقّلا بين الإذاعات والتلفزيونات في جولات عابثة لمحاولة إزالة ما علق بالمشروع من شوائب وهنات كالإقناع بالإتاوة على السيّارات، وتجميد الأجور، والزيادة في المحروقات برفع الدّعم عنها مع ما يستتبع ذلك من ارتفاع في الأسعار قد يخرج عن السّيطرة، والزيادة في أسعار الخدمات الأساسيّة كالماء والكهرباء…وقد رأى اتّحاد الصناعة والتجارة (منظّمة الأعراف)، أنّ قانون الماليّة الجديد سيخرّب الاقتصاد التونسي، إذ أنّه لا يشجّع على الاستثمار ولا يوفّر الضمانات الكافية لتنمية التجارة وتداول البضائع ورؤوس الأموال. وما كان الوزير فخفاخ يعلم أنّ الضربة القاضية له ولحزبه لم تأت بعدُ، ولن تكون من غير حليفهم في الحكم حركة النهضة.

وجاءت هذه اللكمة يوم 30 ديسمبر على السّاعة الثانية إلاّ الرّبع فجرا، وتتمثّل في تمرير التصويت على إنشاء صندوق الكرامة لتعويض ضحايا الاستبداد بقيمة 1100 مليون دينار تونسيّ (حوالي 800 مليون دولار) وتضمينه في قانون الماليّة دون أن يكون له باب في التمويلات. صوّت على القانون 87 نائبا نهضويّا من جملة 117 نائبا حاضرا بعد انسحاب نوّاب المعارضة. وشهدت الجلسة مشاحنات وملاسنات بين نوّاب من حركة النهضة وبين بعضهم من جهة، وأخرى بين نوّاب من حركة النهضة وبين وزير الماليّة الذي بدا في وضع من أُخذ بالغدر والمكيدة من جهة أخرى. والغدر هي الكلمة التي استعملها الوزير نفسه في وصف ما حدث معه ليلة مفاجأته بصندوق الكرامة على أمواج إذاعة تونسيّة خاصّة.

وفي اللحظة نفسها التي وقع فيها تمرير المشروع، اشتغلت آلة الدعاية وإلهاء الرأي العام. فاستفاق التونسيّون صباح يوم 30 ديسمبر نفسه على ترويج إشاعة إلقاء القبض على زعيم تيّار أنصار الشريعة المصنّف إرهابيّا سيف الدّين بن حسين (أبو عياض) من قبل قوّات أميركية بمدينة مصراتة الليبيّة.

إنّ قانون الماليّة كان محلّ رفض من قبل الأحزاب الوطنيّة الكبرى ومن قبل المنظّمات المهنيّة الكبرى. ومع ذلك وقع تمريره. وأثناء عرضه على التصويت وقع إغراقه بالكامل وإغراق الوزير الذي أعدّه وإغراق مستقبل تونس وسبيه ورهنه بصندوق الكرامة هذا، كأنّ النهضويّين يقولون: نحدّد نصيبنا بأنفسنا ونأخذه كاملا ولتذهبوا أنتم وتونسكم إلى الجحيم. وهذا هو العقاب الذي خبّؤوه لتونس التي كانت حليمة معهم فأخرجتهم من الحكم آمنين وسترت عليهم ومنحتهم الفرصة ليراجعوا تجربتهم وليعيدوا الاندماج في الوطنيّة.

صندوق الكرامة هو نصيب النهضويّين من ميزانيّة تونس 2014 ستوزّع على مواليهم دون غيرهم. وهو فصل انتخابيّ من فصول معركة المشروع الإخوانيّ الإسلاميّ. فهو رصّ للصفوف وتوزيع للمنن والهبات والكرامات من خزينة الدولة المفلسة أصلا بقانون مستلّ غدرا من التأسيسيّ مركز السيادة والتشريع. هو كسب عظيم للنهضويّين بلاشكّ، كسب محصّن ولن توقفه الاحتجاجات ولا الاعتصامات ولا العرائض ولا الشكاوى. إنّه القانون؛ هكذا سيجيب المسؤولون المحتجّون.


كاتب وباحث تونسي

9