حركة النهضة المستفيد الأول من شعارات السبسي في المرحلة القادمة

قد يبحث رئيس الجمهورية التونسية الحالي الباجي قائد السبسي عن القيام بتغييرات لصالحه، منها ما يتعلق بالحكومة ورئيسها الحبيب الصيد ومنها ما يتعلق بتعديلات في الدستور لصالح زيادة صلاحياته كرئيس للدولة، لكن هذه المبادرات والتكتيكات لا تخفي خطر وقوف النهضة صامتة أمامها لأنها تغييرات تصب في مصلحتها على المدى البعيد.
الثلاثاء 2016/06/07
أياد قد لا تصنع التاريخ

صرح رئيس الجمهورية التونسية الباجي قائد السبسي في لقاء صحافي على التلفزيون التونسي بأن حكومة الوحدة الوطنية التي يقترحها قد لا تؤدي إلى تغيير الحبيب الصيد رئيس الحكومة الحالي، بل ربما قد يبقى في قيادتها مع إضافة التعديلات التي يقترحها رئيس الجمهورية وهي إدخال الاتحاد العام التونسي للشغل المنظمة النقابية الأولى في تونس، واتحاد الصناعة والتجارة، بالإضافة إلى الرباعي الحاكم الآن والمكون من الاتحاد الوطني الحر وحزب آفاق تونس وحركة النهضة وحزب نداء تونس.

المقترح الذي قدمه الباجي قائد السبسي لم يخل من ثغرات عديدة قد تكشف الغاية الرئيسية من هذا المقترح في هذا التوقيت بالذات، خاصة وأن تسريبات من مقربين من الرئاسة تتحدث عن رغبة السبسي في إجراء تعديل دستوري يزيد من صلاحيات رئيس الجمهورية في علاقته بالعمل الحكومي.

مرحلة جديدة

يؤكد مراقبون أن مبادرة رئيس الجمهورية بإقامة تعديل حكومي تكشف أن دوائر القرار في تونس بدأت تشهد تحولا في معطيات الواقع واستعدادا لمرحلة سياسية جديدة في البلاد قد تكون الانتخابات البلدية في مارس من العام القادم إحدى أهم محطاتها. فلئن كان عدد من المراقبين ينظرون بعين الرضى النسبي إلى أداء حكومة الصيد في المجال الأمني، إلا أن التقييم كان سلبيا في ما يخص الأداء الاقتصادي والاجتماعي والتشغيل وتعديل نسبة التضخم والتحكم في الاضطرابات الاجتماعية والنقابية، الأمر الذي يجعل من المرحلة القادمة المنتظرة تحمل شعار التركيز على الأداء الاقتصادي والاجتماعي لضمان عدم العودة إلى فترة الاحتقان التي طبعت الأجواء في يناير الماضي خاصة في المناطق الداخلية.

لن تتوقف المرحلة الجديدة المنتظرة في المشهد السياسي التونسي عند المسألة الحكومية وما يحيط بها من برامج ونقاط، بل إن صلاحيات جديدة في الدستور لصالح رئيس الجمهورية تعد من بين الأهداف التي يعمل عليها السبسي الآن كي يصبح لرئيس الدولة دور في اتخاذ القرار الحكومي، وفي ذلك عودة إلى ما يشبه النظام الرئاسي أو النظام الذي يطغى عليه رئيس الجمهورية على البرلمان. وقد انتقد عدد من الخبراء هذه النية التي أصبحت رغبة مكشوفة لدى الباجي قائد السبسي، إذ يقول قيس السعيد الخبير في القانون الدستوري “الباجي قائد السبسي باقتراحه حكومة وحدة وطنية يعود بنا الآن إلى المربع الصفر بعيد الثورة، وهذه العودة ليست سوى تمهيد للمطالبة بتعديل دستوري يزيد في صلاحياته”.

وقد فسر البعض مبادرة السبسي بتغيير الحكومة بربطها بالبحث عن صلاحيات جديدة، إذ تقول آراء مراقبين إن السبسي يريد إعادة توزيع الحقائب الوزارية على كل طرف سياسي يدعم توجهه نحو المزيد من الصلاحيات في الدستور، وفي هذا السياق يطرح التساؤل حول موقف النهضة من هذا، فقد أكد لطفي زيتون القيادي النهضوي أن حركته تدعم تعديلا دستوريا يزيد في صلاحيات رئيس الجمهورية، معللا ذلك بأن “تونس تعيش أزمة حكم لأن النظام الحالي هو شبه رئاسي شبه برلماني وليست له معالم واضحة”.

قيس سعيد: الباجي قائد السبسي باقتراحه حكومة وحدة وطنية يعود بنا الآن إلى المربع الصفر

وقد يكون تحليل زيتون سليما لو كان صادرا عن خبير أو أكاديمي ولكن ليس عن قيادي في الحركة الإسلامية، فالمؤشرات تقول إن توسيع صلاحيات الباجي قائد السبسي تصب في صالح النهضة لأنها تجهز لرئاسة فيها صلاحيات قوية تكون من نصيب حركة النهضة بعد انتهاء المدة الرئاسية الحالية للباجي قائد السبسي الذي من الصعب جدا أن يعيد ترشحه في الانتخابات الرئاسية القادمة.

مغازلة سياسية

لم يخف الباجي قائد السبسي في حديثه للتلفزة الوطنية التونسية 1 مغازلته لبعض الأطراف السياسية التي تتخذ موقف المعارضة من الحكومة الآن، فمجرد حديث السبسي عن رغبته في إدخال الاتحاد التونسي للشغل يؤكد أن فكرته تتجه نحو مغازلة الجبهة الشعبية بشكل خاص. فالبوابة للنجاح في الحصول على موافقة نيابية واسعة في البرلمان هي الحصول على أكبر عدد من النواب الموافقين على التعديل، ولا يريد السبسي بأي شكل من الأشكال الإبقاء على معارضة يمكن أن تقلقه في الشارع أو تتمكن من الضغط عليه عبر النقابات والاحتجاجات التي تتم في الغالب عبر قيادات يسارية في تلك النقابات.

ولعل المناورة الفعلية التي يريد السبسي القيام بها هي بالأساس ضمان دعم الجبهة الشعبية له في مسألة تغيير الحبيب الصيد بالذات. فلئن كانت النهضة تسمح بتعديل دستوري في صلاحيات الرئيس لأن ذلك في صالحها استراتيجيا، إلا أنها لا تريد أن تغير رئيس الحكومة الحالي لأن ارتكازه على النهضة أصبح اليوم واضحا بعد توسع هوة الخلافات بينه وبين نداء تونس الذي تفكك وأصبح حزبين منفصلين.

لقد تغير سلوك الحبيب الصيد السياسي منذ أن بدأت الخلافات داخل نداء تونس في الخروج إلى السطح العام الماضي، ومنذ ذلك الحين أصبح الصيد يبحث عن الرافعة السياسية التي تدعمه في الحكومة من أجل البقاء في منصبه، ولن يجد أفضل من رافعة حركة النهضة لأنها الحزب الثاني في البلاد. ولأن الحبيب الصيد رجل إداري ومعروف بأنه تقني أكثر منه سياسيا، فارتكازه على حزب سياسي أمر حتمي حتى يتمكن من التفكير بأكثر أريحية ووضوح وفق الخط السياسي المرسوم له.

بهذا يسارع الباجي قائد السبسي الآن إلى ضمان تحالف قوي داخل البرلمان يمكنه فقط من إزاحة الحبيب الصيد من منصبه كرئيس للحكومة، وتعويضه بأسماء أخرى مقترحة لعل أهمها يوسف الشاهد وزير الشؤون المحلية الحالي وهو شاب في بداية عقد الأربعين وسليم العزابي الذي لم يتجاوز عقده الثلاثين بعد.

توسيع الصلاحيات وتعديل الحكومة يمثلان العناوين الرئيسية للمرحلة الجديدة التي تنتظرها تونس في القريب العاجل، لكن الأمر قد لا يخلو من خلافات منتظرة.

السبسي أصبح رهينة برلمانية بين يدي حركة النهضة نظرا لخروج عدد من أعضاء النداء لتكوين حزب مشروع تونس

تفاعل سلبي

لئن صرح الحبيب الصيد رئيس الحكومة الحالي بأنه سيتفاعل إيجابيا مع مبادرة رئيس الجمهورية في التعديل الحكومي، إلا أن سلوكه يقول غير ذلك تماما. فقد أكدت تقارير صحافية أن الصيد كان على علم بمقترح رئيس الجمهورية قبل سويعات من بث اللقاء الصحافي في التلفزيون، ولم يتحرك على إثره في صباح اليوم الموالي أي الجمعة الماضي، بل ترك أمر النقاش في ذلك أو أخذ فكرة عنه بشكل رسمي في اللقاء العادي بين الرجلين أي يوم أمس الإثنين. هذا البرود الذي يقابل به الصيد مبادرة رئيس الجمهورية يؤكد أن الرجل لا يريد أًصلا النقاش في المسألة وهذا قد يعود إلى قناعات في فكر الصيد بأن النهضة قادرة على الإبقاء عليه في منصبه.

هذه “الحرب الباردة” بين الحزبين الحليفين، أي النهضة والنداء (ممثلين في الشيخين الباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي)، قد تتسبب في الطلاق الأكبر بين الطرفين إذا ما تم الوصول إلى التفاوض في نقاط حساسة ومحسومة من قبيل ترشيح النهضة لأحد أعضائها كرئيس للحكومة مثلا، أو أن لا تتم الموافقة على التعديل الدستوري الذي يريده الباجي قائد السبسي وتقترح تأجيله إلى مناسبات أخرى تكون فيها الأزمات السياسية أشد وبالتالي مشروعية التعديل تكون أقوى.

تؤكد آراء بعض المحللين أن شعور السبسي بأنه أصبح رهينة برلمانية بين يدي حركة النهضة نظرا لتفكك حزبه وخروج عدد من أعضائه ونوابه في البرلمان لتكوين حزب مشروع تونس الذي يقوده محسن مرزوق، يريد السبسي أن يحوله إلى حالة جاذبة لكتل نيابية أخرى تكسر الطوق من حوله بل وتكثف الحصار ذاته على حركة النهضة لإجبارها على الذهاب في سياق التعديلات التي يريدها الرئيس.

عدد من القيادات في حزب نداء تونس والذين فضلوا التراجع إلى الوراء يعلمون جيدا أن حركة النهضة تستغل تقدم الباجي قائد السبسي الآن في مسألة تعديل الدستور لصالحها على المدى الاستراتيجي، فترويج النهضة لنفسها على أنها فصلت الدعوي عن السياسي، أي فصلت القيادات الدينية عن الوجوه السياسية (بعد سنتين من تحرير دستور مدني) يعد تمهيدا لما ستؤول إليه الأحداث والواقع بعد أن تنجح استراتيجية النهضة في الاستفادة من تعديلات وضعها خصمها، فيعود الدعوي والسياسي إلى العمل معا، وربما ستكون الوضعية أخطر بكثير لو عملت الأجهزة الدعوية الدينية والأجهزة السياسية تحت غطاء رئيس للدولة من حركة النهضة وله صلاحيات قوية.

تمر تونس في هذه الأيام بفترة دقيقة على المستوى السياسي والاجتماعي، تتميز في أحيان كثيرة بنوستالجيا للحقبة البورقيبية التي كانت تتميز بصرامة في مركزية النظام الرئاسي، ولعل إعادة تمثال بورقيبة للشارع الرئيسي في العاصمة يعد رمزا لاستحضار حقبة ما بعد الاستعمار وثقل بناء الدولة آنذاك وحتى اليوم.

صحافي من تونس
6