حركة النهضة.. الهجرة التكتيكية نحو مفهوم الإسلام الديمقراطي

إعلان حركة النهضة التونسية مؤخرا عن التخلي عن الإسلام السياسي (مفهوما وارتباطا) وتأصيلها لمفهوم جديد يقوم على "الإسلام الديمقراطي"، كان مناسبة لاختبار جدية النهضة في طلاقها من الإسلام السياسي وفي تبنيها للإسلام الديمقراطي. وكان إصدار الحبيب خضر (المقرر العام للدستور التونسي وممثل النهضة في المجلس الوطني التأسيسي) لكتيب حمل عنوان "الوجيز في شرح الدستور" فرصة لمقارعة إعلان النهضة المشار إليه بما تضمنه كتيب الحبيب خضر، خاصة في تفسير الفصول المتعلقة بمدنية الدولة أو بحرية الضمير، وهو ما يجد صداه في تشبث النهضة بالإسلام الديني وإهمال البعد المدني للمسألة.
الأربعاء 2017/04/26
مغادرة الإسلام السياسي في العلن والوفاء للأصولية في المضامين

بدأت آلة الدعاية الإعلامية لحركة النهضة التونسية في الترويج لمصطلح الإسلام الديمقراطي كصفة بديلة لها عن الإسلام السياسي بعد أن تبنّته الحركة وتحدّث عنه رئيسها راشد الغنوشي منذ المؤتمر العاشر للحركة المنعقد بتونس في مايو 2016، حيث بدأ التنظير لما يسمى الفصل بين الدعوي والسياسي.

وقد شهدت الحركة في مؤتمرها العاشر إبعادا لبعض الأسماء المعروفة بتشددها مثل النائبين السابقين في المجلس الوطني التأسيسي حبيب اللوز والصادق شورو اللذين ترأسا الحركة في فترتين مختلفتين. لم يكن ذلك الإبعاد من نتائج تقييم أجرته الحركة وخلصت فيه إلى مخاطر الخطاب الأصولي المتشدد على استقرار المجتمع التونسي وانسجامه وأمنه، وإنما كان مغازلة من الحركة للولايات المتحدة الأميركية التي رفعت دعمها بسرعة عن تنظيم الإخوان المسلمين، بل انقلبت عليه بعد أن تأكد لديها عجزه عن أن يحقق لها أهدافها في منطقة الشرق الأوسط.

طبعا لا يخفى عن راشد الغنوشي ما يمكن أن يخفى عن أتباع النهضة ومريدي رئيسها ونعني مصدر مصطلح الإسلام الديمقراطي نفسه. فهو مصطلح أميركي بالأساس ولم يصدر البتة عن أدبيّات الإسلام السياسي ولا عن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ذراعه الدعوية، ولا عن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، ذراعه السياسية.

يعود تاريخ مصطلح الإسلام الديمقراطي إلى سنة 2001 تاريخ الاعتداء الإرهابي على برجي التجارة العالمية في نيويورك. وقد ورد المصطلح في كتاب للكاتبة والروائية الأميركية شيريل بينارد عنوانه “الإسلام الديمقراطي المدني” صدر عن مؤسسة راند للدراسات الاستراتيجية التي لم تتوقف عن تطوير المفهوم بحثا عن الصيغة الأنسب لتحقيق ما يسمى بالإسلام الحداثي العلماني المنشود الذي يمكن أن يكون شريكا لأميركا في مواجهة رؤوس الشيوعية متى ارتفعت في أي مكان من الأرض.

طبعا الآلة الاقتصادية الأميركية تخشى من المفهوم الاشتراكي للشيوعية بينما تشتغل على اللبس الحاصل في الإسلام السياسي حول الشيوعية إذ يتعامل معها بخلفيّات إيمانيّة ويعتبرها صنوا للكفر والإلحاد ويجيز فتاوى الجهاد ضدّها.

حركة النهضة التونسية تتبنى الإسلام الديمقراطي وتترك \'المدني\' الذي يعني الاعتماد على التشريع البشري

ولا بد من الإشارة إلى أن الإسلام السياسي في تونس والذي تقوده حركة النهضة قد أتقن فن المناورة دون إتقان المحاورة. فهو يتبنى مفهوم الإسلام الديمقراطي ويترك النعت الثاني “المدني” الذي يعني أساسا الاعتماد الكلي على التشريع البشري في وضع الدساتير والقوانين. وقد حاولت حركة النهضة كثيرا أن تمرر هذه الرغبة الإخوانية الأصولية في جعل الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع في تونس أو المصدر على الأقل في دستور 2014.

ولكن محاولاتها باءت بالفشل. غير أنها لم تيأس من المحاولة ومرت من المناورة في التشريع، إلى المناورة في الشرح والتفسير من خلال الكتاب الذي أصدره المقرر العام للدستور والنائب عن حركة النهضة في مجلس نواب الشعب الحبيب خضر وسماه “الوجيز في شرح الدستور”.

ففي الكتاب مغالطات كثيرة منها التفسير الالتفافي لعدد من الفصول الرئيسيّة التي انبنى عليها الدستور التونسي لا سيما للفصلين الأول والسادس المتعلقين بهوية الدولة. فتفسير خضر لهما يحمل على الظن بأن تونس دولة دينية دينها الإسلام والمنتمون إلى الأديان الأخرى فيها من المسيحيين واليهود يعتبرون من أهل الذمّة خلافا لمنطوق الدستور الصريح. كما يتعمد المؤلف تغييب مفهوم حرية الضمير وقيمته في احترام معتقدات المواطنين ودور الدولة في حمايتها.

كما يحتفظ الإسلام السياسي في تونس بكل آلاته الاستشعارية متيقظة ضد العلمانية التي لا يميز بينها وبين اللائكية عن عمد طبعا، بل يصل الخلط إلى الجمع بينها وبين مفاهيم الحدود مثل الكفر والإلحاد والزندقة، بما يغذي باستمرار نوازع التشدد والتطرف التي تظهر حركة النهضة أنها تحاول إبعادها عنها خلافا لما تمارسه وتهفو إليه في الباطن.

بمعنى آخر تتخذ القيادة السياسية للنهضة قرارات معلنة بإبعاد المتشددين عنها في مستوى القيادات من الصف الأول والذين لم يعد بالإمكان الإقناع بتأويل كلامهم على غير ما أفصح عنه، كما دأبت على ذلك النهضة في تأويل تصريحات قياداتها غير المدروسة، وفي الوقت نفسه تمد القواعد المتحمسة والفاقدة لسلاح المراوغة الذي تتسلّح به جماعة الخط الأول، بكل الأسباب لتغذية النوازع المتشددة صلبها. فكلما خبت هذه النوازع دُفع بالنقاش العلماني المغلوط إلى صدارة المشهد الإعلامي والمسجدي ليحيي هذه النوازع ويذكيها ويدفعها إلى التحرك الميداني الفعلي لحماية الإسلام من الخطر الذي يهدده. وإذا وقع المحظور فلا شيء يدين النهضة.

هذا التكتيك أثبت نجاعته وأمدّ النهضة برصيد من الحماة المتحمسين المتطوعين للذود عن الإسلام، حتى وإن لم يطلب منهم أحد ذلك لا سيما أن رئيس الحركة ونائبه وأغلب قيادييها ينعمون بحماية أمنية مشددة من قبل الدولة التونسية التي لم يتركوا حكمها منذ ديسمبر 2011. ولكن الحماية التي يجاهد من أجلها المتحمسون ليست للقيادات بل للإسلام الذي لا يكفّون عن الإيهام بكونهم يمثلونه بل يحتكرون تمثيله وحدهم دون سواهم.

فلو كانت حركة النهضة ديمقراطية لما كشفت عن نوازعها الاستبدادية للاستحواذ على الحكم إبان حكم الترويكا بين ديسمبر 2011 ويناير 2014

ما يعنينا في هذا الإطار أن حركة النهضة تُوهم بكون إعلانها عن خروجها من الإسلام السياسي إلى الإسلام الديمقراطي هو نتيجة مسيرة طبيعية من النقد الذاتي والتقييم العلمي والسياسي لأدائها وتعاطيها مع الدولة والمجتمع منذ عودتها إلى النشاط العلني في مارس 2011. ولكنّ هذا مجانب للواقع والحقيقة لجملة من الاعتبارات.

فلو كانت حركة النهضة ديمقراطية لما كشفت عن نوازعها الاستبدادية للاستحواذ على الحكم إبان حكم الترويكا بين ديسمبر 2011 ويناير 2014. فالنهضة حكمت تونس منذ ديسمبر 2012 دون سند قانوني ولا شرعية انتخابية. وعبرت صراحة عن كونها لن تغادر السلطة علما وأن القانون الانتخابي التوافقي الذي على أساسه أجريت انتخابات 23 أكتوبر 2011 كان واضحا في تحديد مدة السنة التي يقضيها المجلس الوطني التأسيسي المنتخب لكتابة الدستور.

وتسببت حركة النهضة في دخول تونس في نفق مجهول من عدم الاستقرار والاضطرابات. وأجبرت كل مكونات المشهد الديمقراطي التقدمي من أحزاب يسارية ومنظمات وطنية وجمعيات على التضامن والتضافر والتوحد ضمن جبهة الإنقاذ لإنقاذ تونس ومسارها من براثن الإسلام السياسي النهضوي ونوازعه الاستبدادية، عبر اعتصام الرحيل وتعليق نواب المعارضة نشاطهم في البرلمان وتنظيم مظاهرات ومسيرات ضخمة واعتصامات في مقرات السيادة في كل الجهات التونسية.

ولو كانت حركة النهضة ديمقراطية فعلا لكشفت عن تمويلاتها وعن ثرواتها وعن أذرعها الإعلامية وعن معلوماتها عن شبكات تجنيد التونسيين وتسفيرهم إلى بؤر الحروب والنزاعات. ولو كانت ديمقراطية فعلا لحررت تقارير لجان التحقيق البرلمانية في الأحداث العنفية التي شهدتها تونس في عهد حكم الترويكا الذي قادته النهضة مثل اعتداءات 9 أبريل 2012 واعتداءات الرشّ في سليانة شتاء 2012 والهجوم على المقر المركزي للاتحاد العام التونسي للشغل في 04 ديسمبر 2012 وسحل لطفي نقض حتى الموت بتطاوين في يناير 2013 واغتيال شكري بلعيد في 06 فبراير 2013 ومحمد البراهمي في 25 يوليو 2013.

ومازالت الكتلة النيابية لحركة النهضة في البرلمان التونسي تمارس دورا تعطيليا خطيرا وحاسما للنّفَس الديمقراطي المدني التحرري في تونس، بل إنها لا تتردد في استعمال أسلوب المساومة مع الكتلة الشريكة لها في البرلمان وفي الحكومة كتلة نداء تونس في ما يتعلق بتمرير القوانين في قطيعة تامة مع مصالح الشعب التونسي وانتظاراته مثل مساومة قانون محاضن الأطفال بقانون المصالحة الاقتصادية والمالية.

إنّ نسبة حركة النهضة نفسها للإسلام الديمقراطي ومحاولة القطيعة مع الإسلام السياسي تكتيك الغاية منه الدخول في رحاب الرضا الأميركي للمحافظة على المصالح التي حققتها لنفسها على حساب الشعب التونسي. أما الممارسة الديمقراطية المدنية الحقيقية فإن حركة النهضة تتعامل معها بمنطق مكره أخاك لا بطل.

13