حركة النهضة تعود للألاعيب المزدوجة للمزيد من الابتزاز للمشيشي

الحركة الإسلامية تريد حصة في تعيينات المحافظين الجدد.
السبت 2021/01/23
مناورة جديدة من الغنوشي وحزبه

يعكس رفض كتلة حركة النهضة البرلمانية في تونس منح الثقة لعدد من الوزراء الذين اقترحهم رئيس الحكومة هشام المشيشي، في سياق تعديل وزاري شمل 11 وزيرا، محاولة جديدة من الحركة لابتزاز المشيشي. ويؤكد مراقبون أن الحركة الإسلامية تطمح إلى تحصيل المزيد من المكاسب خاصة في علاقة بتعيين المحافظين الجدد، حيث تريد حصتها من هذه التعيينات.

تونس – عادت حركة النهضة الإسلامية برئاسة راشد الغنوشي إلى ممارسة ألاعيبها السياسية المُزدوجة، في مُناورة جديدة للضغط على رئيس الحكومة هشام المشيشي، بهدف انتزاع المزيد من المكاسب التي تُمكنها من إحكام سيطرتها على مفاصل الدولة بعنوان المشاركة في الحكم باعتبارها الحزب صاحب الأغلبية في البرلمان.

وفي خطوة لا تخلو من ابتزاز واضح ومكشوف ولا يحتاج إلى الكثير من الشرح والتفسير، ترددت تسريبات مفادها أن غالبية نواب الكتلة البرلمانية لحركة الإسلامية (54 نائبا) لا يعتزمون التصويت لصالح الوزيرين اللذين اقترحهما المشيشي لتولي حقيبتي الصحة الهادي خيري، والتشغيل يوسف فنيرة، في التعديل الوزاري المُثير للجدل الذي أعلنه مساء السبت الماضي.

علية العلاني: النهضة تحاول إرغام المشيشي على تعيين محافظين قريبين منها
علية العلاني: النهضة تحاول إرغام المشيشي على تعيين محافظين قريبين منها

وتُشير تلك التسريبات التي دفعت بها إلى العلن مصادر مُقربة من حركة النهضة، إلى أن هذا الموقف تم التعبير عنه خلال اجتماع عقده مساء الأربعاء راشد الغنوشي مع أعضاء كتلته البرلمانية. وأثار عدد من نواب الحركة خلال الاجتماع ما يُشبه “الزوبعة” حول الوزيرين المُقترحين عنوانها الرئيسي “رفض توزير من تعلقت بهم شبهات تضارب مصالح ربما ترقى إلى شبهات فساد”.

ويبدو أن هذه “الزوبعة” التي تردد صداها بقوة داخل قصر الحكومة بالقصبة، هي التي دفعت المشيشي إلى اجتماع عقده مساء الخميس مع أعضاء الكتلة البرلمانية للنهضة، في مسعى لإقناعهم بأهمية التصويت لكافة الوزراء الجدد الذين شملهم التعديل الوزراء المذكور، وعددهم 11 وزيرا، وذلك لتفادي العودة مرة أخرى إلى مربع الشغور الوزاري.

ولم يتضح بعد ما إذا كان المشيشي قد نجح في مسعاه أم لا، خاصة وأن النائب البرلماني سمير ديلو، القيادي في حركة النهضة، قد امتنع عن تقديم إيضاحات حول هذه المسألة، قائلا في تصريحات إعلامية أدلى بها الجمعة، “لا يمكنني التعليق على الموضوع وما يتداول قبل استكمال النقاش الداخلي”.

وأبقى ديلو على نوع من الغموض الذي يبدو مقصودا، حيث قال إن “النقاش لا يزال متواصلا داخل الكتلة البرلمانية لحركة النهضة بخصوص التعديل الوزاري، وسيعرف الجميع موقف نواب النهضة خلال الجلسة البرلمانية العامة المُخصصة لمناقشة هذا الموضوع”.

وفي سياق هذا الغموض، الذي جعل المشهد ضبابيا وشديد التعقيد في الحسابات، أشارت مصادر من حزب قلب تونس (30 مقعدا برلمانيا) الذي يعتبر العضد الثاني للحزام البرلماني والسياسي لحكومة المشيشي، إلى أن اجتماعا مُماثلا جمع مساء الخميس أيضا بين المشيشي وأعضاء الكتلة البرلمانية لهذا الحزب الذي يرأسه نبيل القروي الذي يقبع حاليا داخل السجن.

وخُصص هذا الاجتماع للتأكيد على أهمية منح الثقة لكافة الوزراء الذين شملهم التحوير الوزاري الذي مازال يُثير الكثير من الجدل وسط رفض واضح له عبّرت عنه أحزاب المعارضة بكتلها البرلمانية التي ذهبت إلى حد وصفه بـ”الانقلاب” الذي يخدم أجندات حركة النهضة ومصالح حليفها حزب قلب تونس على حساب المصلحة الوطنية العامة.

وتستبق هذه التحركات التي فرضت إيقاعها على الحراك السياسي المُتسارع، الجلسة البرلمانية العامة المُقرر عقدها الثلاثاء القادم للتصويت على منح الثقة لـ11 وزيرا كان المشيشي قد اقترحهم، وهي ثقة تستدعي حصولهم على تصويت 109 نواب على الأقل لصالحهم من أصل 217.

وبالرغم من هذه الضبابية التي مازالت تلف عملية منح الثقة للوزراء الجدد في الفريق الحكومي للمشيشي، إلا أن ذلك لم يمنع المراقبين من الإشارة إلى أن رئيس الحكومة أصبح في وضع هش وضعيفا أمام مناورات حركة النهضة الإسلامية التي تسعى إلى محاصرته لانتزاع المزيد من المكاسب منه.

Thumbnail

وتتضح ملامح هذا الحصار من خلال الموقف الذي وجد المشيشي نفسه فيه، حيث بات يصعب عليه تسويق الحيثيات التي اعتمد عليها في اختياره للوزيرين المذكورين، كما أنه لن يكون بمقدوره تفادي الضغوط التي يتعرض لها، وخاصة منها تلك المرتبطة بتمكين النهضة من عدد المحافظين في حركة التعيينات الجديدة التي يعتزم الإعلان عنها في قادم الأيام.

وفي هذا السياق، اعتبر الباحث السياسي التونسي علية العلاني، أن حركة النهضة “تُحاول استغلال عملية التعديل الوزاري لفرض مطالب غير مُعلنة على المشيشي المُجْبر على تعويض بعض الوزراء المرفوضين من عدد هام من نواب البرلمان وتغييرهم بأسماء غير مناهضة لهذه الحركة”.

وقال لـ”العرب”، إن النهضة “تتهيأ من الآن للتغيير الذي سيحصل بعد حصول الحكومة على ثقة البرلمان، وهو إجراء تعديل على مستوى الولاة (المحافظين)، ذلك أن الوالي (المحافظ) هو أعلى سلطة تنفيذية على مستوى محافظات البلاد”.

وأضاف أنه من هذا المنطق “تحاول حركة النهضة فرض حصار غير معلن على المشيشي لدفعه إلى تعيين ولاة قريبين جدا منها (..) ولهذا السبب ربما تُقايض موافقتها على التصويت لحكومة المشيشي مقابل استجابته لتعيين ولاة تقترحهم في التعديل القادم للولاة”.

وعلى وقع هذه التطورات، كشفت مصادر سياسية لـ”العرب”، أن المشيشي قد يكون خضع لجزء من تلك الضغوط خلال اجتماع عقده قبل يومين مع الغنوشي، وقد خُصص لمناقشة حركة التعيينات المذكورة، حيث تم خلاله الاتفاق على تمكين النهضة وكذلك أيضا حزب قلب تونس من حصة في هذه التعيينات التي ستشمل 20 محافظا من أصل 24.

ومع ذلك، مازالت الافتراضات في علاقة بهذه المناورة الجديدة للحركة الإسلامية تتوزع على أكثر من مربع، في وقت تتعدد فيه الرهانات بتعدد الاتجاهات، مع الأخذ بعين الاعتبار المساحات التي قد تستجد في قادم الأيام، خاصة وأن مُجمل الترتيبات الجارية لغاية الآن لا تزال رهينة حسابات ومعادلات تتغير بسرعة.

4