حركة النهضة تقترب من فرض هيمنتها على الحكم المحلي في تونس

رغم أهمية هذا الاستحقاق الانتخابي لتكريس الحكم المحلي، إلا أنه يستبطن وبنفس القدر خطرا كبيرا على التوازنات السياسية في البلاد.
الاثنين 2018/05/07
فرض توازنات جديدة

تونس - لا تُخفي غالبية الأوساط السياسية التونسية خشيتها من أن الانتخابات البلدية (المحلية)، ستُفرز نتائجها تحولات وانعطافات على توازن قوى المشهد السياسي الراهن الذي يميل لصالح الإسلام السياسي الذي تُمثله حركة النهضة الإسلامية برئاسة راشد الغنوشي.

وانطلقت، الأحد، هذه الانتخابات الأولى من نوعها في تونس منذ العام 2011، حيث فتحت مراكز الاقتراع البالغ عددها 11 ألفا في مختلف أنحاء البلاد، أبوابها لاستقبال الناخبين والناخبات للإدلاء بأصواتهم لاختيار من يُمثلهم في المجالس البلدية الموزعة على 350 دائرة بلدية.

ويُقدر عدد الناخبين التونسيين المُسجلين في سجلات الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، والذين تحقّ لهم المشاركة في هذا الاستحقاق الانتخابي بـ5.3 مليون ناخب وناخبة من أصل أكثر من 8 ملايين شخص بلغوا السن القانوني للإدلاء بأصواتهم.

وتُشارك في هذه الانتخابات نحو 2074 قائمة، منها 1055 قائمة حزبية، و860 قائمة مستقلة، و159 قائمة حزبية ائتلافية، وذلك للتنافس على 7177 مقعدا بلديا في 350 دائرة بلدية موزعة على كافة أنحاء البلاد التونسية.

ويرى مراقبون أنه بقدر أهمية هذا الاستحقاق الانتخابي لجهة تكريس الحكم المحلي وديمقراطية القرب، وبالتالي إنجاح المسار الديمقراطي الذي دخلته البلاد في العام 2011، فإنها مع ذلك، تستبطن وبنفس القدر خطرا كبيرا على التوازنات السياسية في البلاد.

رجاء بن سلامة: أحذّر من أسلمة المجتمع عبر نافذة الانتخابات البلدیة
رجاء بن سلامة: أحذّر من أسلمة المجتمع عبر نافذة الانتخابات البلدیة

ويُرجعون ذلك، إلى توقيت تنظيم هذه الانتخابات، والمناخ العام في البلاد الذي يتسم بتشوّه المعادلات السياسية نتيجة استمرار الانقسام والتشظي في صفوف القوى الوطنية والمدنية والديمقراطية.

وتأتي هذه الانتخابات في مرحلة هي من أصعب المراحل التي تمرّ بها تونس على مختلف الأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهو ما ساهم في ارتفاع منسوب التخوّفات والهواجس التي باتت تُسيطر على العديد من القوى السياسية المحلية وكذلك أيضا الإقليمية والدولية، ارتباطا بما سيترتب على نتائجها لجهة تمكين الإسلام السياسي من إحكام سيطرته على الحكم المحلي.

وتبدو هذه الخشية التي تصدرت عناوين كبرى الصحف العالمية قبل بدء هذه الانتخابات، مشروعة ولها ما يُبررها على أرض الواقع، بالنظر إلى الرهانات السياسية الخطيرة التي تتخلل هذا الاستحقاق الانتخابي.

وسبق لأكثر من مسؤول حزبي تونسي أن عبّر عن هذه الخشية، وذلك في قراءة استشرافية لتداعيات هذه الانتخابات، منهم عبدالعزيز القطي القيادي في حركة نداء تونس، الذي أشار في تصريحات سابقة إلى خطر نجاح حركة النهضة الإسلامية في كسب هذه الانتخابات، وبالتالي سيطرتها على الحكم المحلي.

واعتبر أن الحكم المحلي “له تبعات مباشرة على الحكم المركزي في الاستحقاقات القادمة، ولا يمكن اليوم أن ننسى ما حصل في السنوات ما قبل 2014 عندما كانت حركة النهضة في الحكم، وما يمكن أن يحصل لو أنها ربحت الانتخابات البلدية وسيطرت على الحكم المحلي في البلاد”.

وقبل ذلك، حذرت رجاء بن سلامة، مدیرة المكتبة الوطنية التونسية، في تغريدة نشرتها في صفحتها الرسمية على شبكة التواصل الاجتماعي فيسبوك، من مغبة عودة الإسلام السیاسي وأسلمة المجتمع عبر نافذة الانتخابات البلدیة.

وعادة ما تختار تنظيمات الإسلام السياسي، المحطات الانتخابية في مسعى لفرض مشروعها السياسي، ومنها حركة النهضة الإسلامية التي أثبتت تجربة السنوات الماضية أنها لم تُسقط من حساباتها ومعادلاتها وقواعد تحركاتها التي ترسمها، التأسيس لفرض سيطرتها على كل مفاصل الدولة والمجتمع.

وعلى الرغم من الحراك السياسي اللافت الذي عرفته البلاد خلال الأسابيع القليلة الماضية للتحذير من مثل هذه التداعيات، فإن الخطر ما زال قائما، لا سيما وأن حركة النهضة الإسلامية التي لم تخرج من دائرة الإسلام السياسي، تُشارك في هذه الانتخابات في كافة الدوائر، وسعت إلى تشكيل لوائح انتخابية من المستقلين، وذلك بهدف ضمان حضورها في مختلف المجالس البلدية المُنتخبة.

استعادة الرباط عند الانتخاب
استعادة الرباط عند الانتخاب

واتسمت حملتها الانتخابية التي شارك فيها راشد الغنوشي الذي زار خلالها كافة محافظات البلاد الـ24، وأطلق الوعود والشعارات البراقة التي تُخفي خلفها نزعة للهيمنة لم تُفارق تنظيمات الإسلام السياسي.

وعكست تلك الحملة مؤشرات سياسية خطيرة لما سيكون عليه المشهد بعد نهاية هذه الانتخابات التي تدفع دوائر قياس الرأي ومراكز سبر الآراء المحلية والدولية نحو تمكن حركة النهضة الإسلامية من الفوز بها، باعتبارها ما زالت تتحكم في مخزون انتخابي وازن بالمقارنة مع بقية الأحزاب الأخرى بما فيها حركة نداء تونس.

وأمام هذا الوضع، تكاد تُجمع مختلف القراءات على أن هذه الانتخابات التونسية ستضع البلاد على أعتاب مرحلة جديدة وخطيرة، لأنها ستفتح الأبواب أمام حركة النهضة الإسلامية لإعادة تشكيل المشهد من خلال الهيمنة على الحكم المحلي بعد أن اخترقت مفاصل الدولة وأحدثت انقسامات عميقة في المجتمع.

الانتخابات المحلية في تونس: التنمية تظل المعركة الحقيقية