حركة النهضة تواجه الأزمة الأكثر خطورة منذ وصولها إلى السلطة

الثلاثاء 2013/08/13
الديمقراطية عند الإسلاميين تعني بقاءهم في السلطة رغما عن إرادة الشعب

تونس- كتبت الناشطة والمدونة التونسية على صفحتها على "فايسبوك" أن "وزارة الداخلية وفرت لها الحماية الأمنية وذلك على إثر ورود اسمها ضمن قائمة المهددين بالقتل". وكانت لينا بن مهني تعرّضت أكثر من مرة لأعمال عنف لفظي وجسدي نتيجة مواقفها المعارضة.

في حادثة أخرى خطيرة، كان أحد صحفيي "العرب" شاهدا عنها، تعرّضت شابة تونسية، تبلغ من العمر 23 عاما، لحادثة اعتداء بالضرب من قبل أحد الأشخاص المحسوبين على التيار الإسلامي، في تونس، وذلك بسبب مواقف الفتاة، التي تدعى "شيرين"، ونشاطها المكثف في ساحة باردو وعلى صفحات الفايسبوك لدعم "اعتصام الرحيل" بساحة باردو.

لليوم السادس عشر على التوالي يرابط المحتجّون أمام مقر المجلس التأسيسي (البرلمان) بساحة باردو، قريبا من العاصمة تونس، مصمّمين على مواصلة الاعتصام إلى حين تحقيق مطالبهم بحل الحكومة والمجلس التأسيسي وبتشكيل حكومة إنقاذ غير متحزبة ومحدودة العدد لإكمال ما تبقى من المرحلة الانتقالية.

وشيرين شابة تونسية شأنها شأن كثيرات من بنات جيلها وممن سبقها من فتيات تونس ونسائها نشأن في بيئة ثقافية واجتماعية مختلفة عن تلك التي تسعى بعض الجماعات المتشدّدة إلى فرضها على المجتمع التونسي اليوم، ليتحوّل الصراع من صراع حريات إلى صراع هويّات.

وقالت شيرين إنها ستخرج اليوم، مع مجموعة كبيرة من "حرائر تونس" في مسيرة بمناسبة عيد المرأة التونسية الذي تحتفل به تونس يوم 13 أغسطس من كل عام.

ودعت منظمات نسائية تونسية إلى تنظيم مسيرة ضخمة اليوم الثلاثاء للدفاع عن حقوق المرأة في عيدها الوطني ودعم "اعتصام الرحيل". في المقابل دعت حركة النهضة إلى التجمع اليوم الثلاثاء تحت شعار "نساء تونس عماد الانتقال الديمقراطي والوحدة الوطنية".

وتعتبر التونسيات مجلة الأحوال الشخصية مكسبا هاما يستحيل المساس به أو الاقتراب منه نظرا لما تتضمنه المجلة من قوانين تكفل حقوق المرأة في تونس. وقد زعم الإسلاميون خلال حملاتهم الانتخابية، إثر سقوط نظام بن علي، أنه لن يتم المساس بمجلة الأحوال الشخصية وأن حقوق المرأة مصانة في تونس. لكن تبيّن فيما بعد أن هذه التصريحات لم تكن سوى ادعاءات ترويجية حيث أصبحت المرأة مستهدفة من قبل الإسلاميين بشكل كبير.

تقول المؤرخة في جامعة منوبة بتونس، أمل قرامي: "إن الثورات العربية قد "أشعلت أزمة هوية ذكورية"، وهذه الأزمة ضخّمت المواقف المتشددة المتخذة من قبل الأحزاب الإسلامية. ولاحظت قيام المتشددين في تونس بحث الفتيات بعمر صغير، حتى قبل سن البلوغ، على ارتداء الحجاب والنقاب. وحرضت نائبات "النهضة" على الفصل بين الجنسين في النقل العام. وتم جلب دعاة متطرفين يحثون على ختان البنات، وهي ممارسة غريبة كليا عن تونس". يأتي عيد المرأة التونسية هذا العام وسط حالة من الاستقطاب والتوتر تعيش على وقعها البلاد. وتنبئ الأخبار القادمة من تونس أن مهد الربيع يمرّ بمرحلة حسّاسة ويشهد منزلقا خطيرا وتسيطر عليه حالة من الاحتقان بين الحكومة والتونسيين زادت من حدّته محاولات حركة النهضة المستميتة في المحافظة على مكتسباتها في الحكم.


استقطاب سياسي


طوال شهر رمضان شهدت تونس أحداث عنف واغتيالات كبيرة، خصوصا اغتيال السياسي المعارض محمد براهمي، منسق عام التيار الشعبي المعارض، ثم العمليات الإرهابية التي تعرّضت لها عناصر من أفراد الجيش التونسي في جبل الشعانبي. هذه الاغتيالات أحدثت زلزالا في المشهد السياسي التونسي ودفعت بآلاف التونسيين إلى الخروج إلى الشوارع للاحتجاج على المجلس التأسيسي (البرلمان) والدعوة إلى إسقاط النظام الذي تسيطر عليه حركة النهضة الإسلامية.

وقد سبقت هذا الاحتقان تصريحات متبادلة بين الإسلاميين والمعارضين، من بينهم أغلبية من الشعب التونسي التي لا تنتمي إلى أي جهة سياسية، وقد وصل الأمر بالحكومة وأفراد من حركة النهضة إلى حد التهديد واللجوء إلى الدم والقوة في حال حاول التونسيون التمرّد على غرار التمرّد الذي حدث في مصر وأطاح بالرئيس الإسلامي محمد مرسي.

وفي إطار محاولاتها وأد الحركة الاحتجاجية سعت الحكومة، التي يسيطر عليها الإسلاميون، إلى استعمال العنف وفض الاعتصام بقوة الأمن إلا أنها فشلت في ذلك. ليرابط المعتصمون الذين يشكلون أطيافا مختلفة من الطبقة السياسية والثقافية والنقابية وأيضا من عامة الشعب في تونس مطالبين بسقوط النظام الذي وعد وأخلف، فالبطالة لاتزال مرتفعة والفقر متفاقم في المناطق الداخلية والتفاوت الاقتصادي بين المناطق متواصل فيما لم تجد العدالة الانتقالية بعد طريقها إلى التطبيق، ولاتزال بيروقراطية النظام السابق في حاجة إلى الإصلاح في جزء كبير منها.

أمام هذا الواقع وجدت حركة النهضة نفسها مجبرة على تقديم الجلوس إلى طاولة الحوار وتقديم تنازلات إن لزم الأمر من أجل المحافظة على مكانتها في السلطة. ويشير الباحث البريطاني المتخصص في الشأن الإسلامي، وري مكارثي، إلى أن حركة النهضة الإسلامية في تونس تواجه الأزمة الأكثر خطورة منذ وصولها إلى السلطة في أعقاب انتفاضة 2011. فقد أدّت عملية الاغتيال السياسي الثانية في غضون خمسة أشهر فقط، إلى تعميق الاستقطاب بين الإسلاميين ومنتقديهم.

والتقت الأحزاب المعارضة التي لطالما كانت منقسمة، حول المطالبة باستقالة الحكومة التي يقودها حزب النهضة، وتعيين حكومة "إنقاذ وطني" غير مُنتخَبة. وفي الوقت نفسه، يتفاقم خطر التشدّد السلفي في بلد لطالما اعتُبِر واحة للعلمانية في العالم العربي.

وتشكّل السلفية، حسب التحليل البريطاني، تحدّيا داخليا كبيرا بالنسبة إلى حزب النهضة، الذي يبتعد عن جذوره الإسلامية ويتحوّل إلى حزب سياسي محافظ على المستوى الاجتماعي ونيوليبرالي على المستوى الاقتصادي. لكن قيادته لم تتغيّر منذ الثمانينات، ولم يكن من السهل استقطاب أنصار جدد في أوساط الشباب. بل إن الحزب يجد نفسه محاصرا بجماعات سلفية حديثة العهد يطغى عليها العنصر الشاب، وتستند أيديولوجيتها الواضحة إلى الشريعة، فضلاً عن جاذبيتها الشديدة لدى الشباب المحرومين والعاطلين عن العمل.


سياسة الالتباس


حركة النهضة شأنها في ذلك شأن مختلف تيارات الإسلام السياسي تعتمد، وفق تحليل مكارثي، على مشروع إسلامي ملتبس، نظرا إلى أن الالتباس هو السبيل الأفضل لجمع النزعات المتباينة داخل تياراتها. ويستشهد الباحث البريطاني على ذلك بسياسيي حركة النهضة الذين اقترحوا، من أجل استرضاء الأنصار الذين أغضبهم التنازل عن إدراج الشريعة في الدستور، المادّة 141 في مسوّدة الدستور الأخيرة، والتي تنص على أنه لا يجوز لأي مراجعة دستورية في المستقبل تقويض مكانة الإسلام "كدين للدولة". ليس هناك اتفاق حول معنى هذه الجملة الجديدة، لكن سياسيا واحدا على الأقل في النهضة ذكر أنهم أرادوا من خلال ذلك أن تكون القوانين الصادرة في المستقبل منسجمة مع الإسلام. وكذلك تنصّ المادة السادسة في مسودة الدستور الأخيرة، على أن الدولة "حامية للمقدّسات"، دون تحديد ما المقصود بهذه "المقدّسات"، وما الحماية المطلوبة في هذا الإطار. ويختلف تفسير هذه المادّة، حتى في أوساط سياسيّي النهضة، بين مَن يقولون إنها تعني حصرا الحفاظ على المقارّ الدينية، وبين مَن يرون فيها قانونا ضد التجديف الهدف منه منع انتقاد الله أو النبي أو القرآن.

لقد أثارت هذه الالتباسات غضب المعارضة، وفرضت تأخيرا كبيرا في إنجاز الدستور، حتى قبل اغتيال السياسي اليساري محمد البراهمي في 25 تموز/يوليو الماضي.

بعد اغتيال المعارض اليساري شكري بلعيد في شباط -فبراير الماضي، تخلّت حركة النهضة عن وزارات الداخلية والعدل والخارجية، وسلّمتها إلى شخصيات مستقلّة. لكن هذه التسوية لم تتحقّق إلا بعد حدوث انقسام داخلي عميق في صفوف الحزب. واليوم، بعد اغتيال محمد البراهيمي، تعيش تونس وضاعا مشابها بل أكثر حدّة، مع تمسّك المعارضة بمطالبها ورفض الإسلاميين التخلّي عن السلطة، وفيما يتطلّع التونسيون إلى استيراد ثورة 30 يونيو المصرية وإنهاء سيطرة الإسلاميين على الحكومة لا يبدو أن هؤلاء سيقبلون بسهولة نفس مصير إخوان مصر.


استقالة الحكومة


يضيف روري مكارثي: وقد التقت المعارضة التي لطالما كانت منقسمة، حول المطالبة باستقالة الحكومة الائتلافية بقيادة النهضة، واستبدالها بحكومة "إنقاذ وطني" عن طريق التعيين. حتى حزب التكتّل الذي ينتمي إلى الحكومة الائتلافية، يوافق على هذا المطلب. ويمارس الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي يُعَدّ النقابة الأساسية في البلاد والذي نظّم إضرابَين عامَّين خلال العام الجاري، ضغوطا للمطالبة بالتغيير الفوري.

حتى أن عددا كبيرا من المعارضين يطالب بحلّ المجلس التأسيسي.

بيد أن الخطة التي وضعوها لتعيين حكومة جديدة ولجنة للانتهاء من إعداد الدستور وعرضه على الاستفتاء، تفتقر إلى التفاصيل وآلية للمساءلة الديمقراطية. أما الجيش فيُعرَف تاريخيا بابتعاده عن التسييس، ومن المستبعد أن ينحاز إلى فريق دون آخر. ويرفض عدد كبير من التونسيين السياسة النخبوية التي تتّسم بالمشاحنات والتأخير والتغيّب عن حضور الجلسات في المجلس التأسيسي، ولا تبالي بالتحدّيات الحقيقية التي تواجهها المناطق الأكثر فقرا. ويحذّر آخرون من أن مطالب المعارضة تصبّ في الاتّجاه المعاكس للثورة، الأمر الذي من شأنه أن يؤدّي إلى تعطيل العملية الانتقالية على مسافة أشهر فقط من الانتخابات المقبلة، دون معالجة الأزمة الاقتصادية-الاجتماعية الأساسية التي تواجهها تونس الجديدة.

6