حركة حسم في مصر.. تهديد يغذيه التوتر بين الشعب والحكومة

تخوض السلطات المصرية حربا ضد جماعات الإسلام السياسي والتنظيمات المصنفة على قائمة الإرهاب يزيد من خطورتها نزوح الإرهاب من سيناء إلى المدن الكبرى، مثل القاهرة والإسكندرية، لكن خطر هذا النزوح كما يراه مايكل هورتن المحلل في مؤسسة جيمس تاون الاستخباراتية الأميركية لا يتمثل فقط في هجمات تنظيم ولاية سيناء الذي بايع تنظيم الدولة الإسلامية، بل هناك تنظيم أخطر هو حركة حسم التي يمكن أن تكسب، بالرغم من محدوديتها في المناطق العمرانية المصرية، المزيد من الجاذبية مستغلة غضب المصريين المتصاعد من الحكومة.
الثلاثاء 2017/05/02
عصا الأمن وحدها لا تقضي على الإرهاب

القاهرة – عند الحديث عن الحرب على الإرهاب في مصر تبرز على السطح الحرب ضدّ تنظيم ولاية سيناء، الذي بايع تنظيم الدولة الإسلامية، باعتباره الخطر الأضخم، لكن مايكل هورتن كبير محللي مؤسسة جيمس تاون الاستخباراتية الأميركية، يعتبر أن هناك خطرا أكبر وبعيد المدى وهو الذي تشكّله حركة سواعد مصر المعروفة اختصارا بحسم.

يسلط هورتن في تقرير نشرته المؤسسة الأميركية، نهاية شهر أبريل الماضي، الضوء على هذا التهديد الإرهابي الصاعد؛ وهو تهديد يجد أرضية خصبة لنموه في ظلّ تصاعد قلق المصريين وإحباطهم من الوضع الاجتماعي والاقتصادي والأمني في البلاد.

تخوض الحكومة المصرية حربا مكثفة ضد تنظيم ولاية سيناء وتخصص له إمكانيات كبيرة، لكنها أخفقت في اجتثاثه بالكامل أو حتى تعطيل قدرته على شن هجمات في المنطقة وخارجها، رغم أن الجيش المصري نجح في قطع رأس قيادة تنظيم داعش في سيناء في صيف عام 2016.

والدليل على اتساع مدّ تنظيم الدولة الإسلامية وقدرته على القيام بأعمال القتل داخل مصر تفجير كنيستين قبطيتين في طانطا والإسكندرية في التاسع من أبريل الماضي. ويعد الهجومان (ولم يكونا الأولين من نوعهما) جزءا من إستراتيجية التنظيم لزيادة التوترات الطائفية بين الأقباط في مصر المقدر عددهم بعشرة ملايين والأغلبية المسلمة من السكان. وفي حين نجحت إثارة التوترات الطائفية في سوريا والعراق، من المرجح أن تفشل تلك الإستراتيجية في مصر حيث توجد هوية مصرية قوية تعلو فوق الانتماء الديني.

ومع ذلك سيأتي يوم ويتراجع تهديد تنظيم الدولة الإسلامية والجماعات التابعة له، وقد يختفي تماما، لكن لن يتحقق ذلك فقط نتيجة الجهود العسكرية للجيش المصري، الذي مازال إلى اليوم يتعامل بنهج تقليدي مع هذه التحديات، بل بسبب الآراء المتطرفة لتنظيم الدولة الإسلامية “الأجنبي” وعدم اكتراثه بحياة المدنيين.

ويعتبر مايكل هورتن أن توحّش التنظيم المتشدّد ودمويته التي تطال كل الأطراف، أمر يحد من قوة جاذبيته لدى أغلبية المصريين، ومن ثم لن يعد التنظيم قادرا على بناء قاعدة واسعة من الدعم من شأنها أن تسمح له بالتوسع جماهيريا في الداخل المصري والبقاء حيا على المدى الطويل.

حركة سواعد مصر تحاول تقديم نفسها على أنها معارضة للنظام الحالي وليس لديها أي طموحات خارج مصر

تهديد بعيد المدى

خلافا لتنظيم الدولة الإسلامية تملك حسم في مصر إمكانية كسب الجاذبية في داخل البلاد وخاصة في الأوساط الحضرية المكتظة بالسكان. وأعلنت الحركة عن نفسها في يوليو 2016 عندما تبنّت هجوما على ضابط شرطة في الفيوم. ومنذ ذلك الوقت استهدفت عددا من كبار المسؤولين في الحكومة بما في ذلك محاولة فاشلة في أغسطس 2016 لاغتيال مفتي مصر السابق علي جمعة.

وفي سبتمبر 2016 حاولت حركة حسم اغتيال النائب العام المساعد زكريا عبدالعزيز. وفي 2 نوفمبر 2016 استهدفت القاضي أحمد أبوالفتوح، وهو واحد من ثلاثة قضاة معنيين بمحاكمة الرئيس المصري السابق محمد مرسي. كما أعلنت مسؤوليتها عن عدد من الهجمات على ضباط شرطة بما فيها هجوم حدث في شهر ديسمبر 2016 على نقطة تفتيش قتل فيه ستة رجال شرطة. ويتوضّح أن هجمات حركة حسم كانت مركزة على أفراد من الحكومة المصرية ورجال شرطتها وممثلين لها ومصالحها الأمنية.

من هي حسم

أصدر القضاء المصري في فبراير 2017 قرارا بحظر حركة حسم وأعلنها تنظيما إرهابيا. وجاء هذا الحكم بعد أن تم القبض في شهر يناير 2017 على أكثر من 300 مئة شخص قالت السلطات المصرية إنهم ينتمون إلى حركة حسم. وتمت إحالتهم على النيابة العسكرية لارتكابهم 14 عملية إرهابية اعترف 74 من المتهمين بارتكابها.

وغير المعلومات التي قدمتها الجهات الحكومة المصرية، مازالت المعلومات التفصيلية شحيحة عن هذه الحركة حديثة النشأة والتي تغلف أنشطتها ورجالها بحالة من السرية والتخفي. لكن، تقدم حسم نفسها في بياناتها على أنها تنظيم يهدف إلى إرساء العدالة الاجتماعية والنضال من أجل إسقاط ما تسميه "الاحتلال العسكري".

وكان خبراء تحدثوا في تقرير سابق لـ”العرب” (نُشر في 2017/01/25، العدد: 10523، ص 13)، قالوا إن نشاط حركة حسم بدأ في أعقاب ثورة 30 يونيو 2013، كواحدة من بين خلايا مسلحة صغيرة تشكلت من عناصر تابعة للإخوان وتنظيمات أخرى.

وقال خالد عكاشة الخبير الأمني المصري إن حركة حسم نقلة نوعية في العمل العسكري والتنظيمي لجماعة الإخوان وبدايتها كانت تحت مسمى "حركة العقاب والحسم الثوري"، التي نشطت عامي 2014 و2015، ثم ما إن اختفت عن الساحة، حتى ظهرت حركة حسم، بعد إعادة هيكلة وتجميع لعناصر منتقاة وفق مواصفات عالية، كرهان لجماعة الإخوان على تطوير عملها المسلح، من خلال تنظيم محترف بداية من 2016.

حسم تستهدف الشرطة المصرية لإرباك النظام

وعرّف عمرو الشوبكي الخبير في الحركات الإسلامية حسم بأنها "تنظيم سياسي بذراع عسكرية يتحرك من منطلقات سياسية ثأرية". وقال إن “الحركة تستفيد من التغيرات التي طرأت عالميا على مناهج وطرق تجنيد التنظيمات الإرهابية، حيث تأخر عامل اللجوء للإقناع الديني ليحل محله استخدام حجة المظالم السياسية والاجتماعية، لتصبح هي عامل الجذب الأساسي".

لكن، مهما يكن من أمرها، فإن الخطر وفق مايكل هورتن في استعمال حركة حسم للخطاب الموجه للإشارة إلى ما تراه أنه انتهاكات من قبل حكومة تعتبرها "غير شرعية" هو علامة مهمّة عن المكان الذي يريد هذا التنظيم وضع نفسه فيه. هذا إلى جانب الجهود لاستهداف المسؤولين في الحكومة وهو ما يدل على أن حركة حسم تحاول تركيز نفسها على أنها معارضة للنظام الحالي لكن دون طموحات خارج مصر.

وشددت الحركة في بياناتها وأشرطتها المصورة على أنها لن تستهدف المدنيين أو تعرضهم للخطر. فمثلا ادعت حسم أنها ألغت الهجمة الفاشلة للمفتي السابق اعتبارا للمخاطر على المدنيين، وبغض النظر عن صحة ذلك من عدمه فإن هذا الهجوم إضافة إلى الهجمات الأخرى يشير إلى المجهود المقصود في تفادي قتل المدنيين. كما أدانت حركة حسم هجوما نفذ في ديسمبر 2016 بقيادة تنظيم الدولة الإسلامية على كنيسة قبطية ونأت بنفسها عن كل التفجيرات الأخيرة للكنائس.

وتدرك جيدا قيادة التنظيم الصغير أن الهجمات من النوع الذي يقوم به تنظيم ولاية سيناء والذي يخلف عددا كبيرا من الضحايا ستقوض قدرتها على توسيع قاعدة من الدعم في الداخل المصري. وعن طريق تقديم نفسها على أنها “تنظيم وطني يسخّر نفسه لمحاربة ما تعتبره نظاما ظالما” و”نصرة من لا نصير له” قد تكون حركة حسم قادرة جدا على الاستفادة من السخط الشعبي على الحكومة.

ويلاحظ أن الكثير من هجمات حركة حسم استهدفت أفراد الشرطة المصرية الذين لا تجمعهم علاقة طيبة بعموم المصريين. وتسببت تجاوزات الشرطة والأجهزة الأمنية إضافة إلى فشل الحكومة في الإيفاء بوعدها بخصوص الإصلاحات الاقتصادية في إذكاء السخط في مصر.

ويعني اقتصاد البلاد الواهن ومعدلات البطالة المرتفعة في صفوف الشباب بأن المجموعات المتمردة سوف لن يواجهوا الكثير من المشاكل في تجنيد الناس.

أي روابط مع الإخوان

قد تشير آراء حركة حسم وتركيزها على المستوى الوطني ومهاجمتها للأفراد الذين يرمزون إلى الدولة إلى أن بعض الأعضاء السابقين من الإخوان من بين أعضائها، لكن ليس هناك دليل على ذلك إلى حد الآن إذ لم تتماهى حركة حسم أو أي مجموعة أخرى مع الإخوان المسلمين علنا.

وبغض النظر عن علاقة حركة حسم بالإخوان المسلمين، تبدو قيادة التنظيم عازمة على تقديم الحركة على أنها تنظيم إسلامي معتدل يعمل على “نصرة” من يعتبرهم غير قادرين على الدفاع عن أنفسهم ضد الحكومة. وهذا الحيز الذي تحاول حركة حسم أن تشغله يعطي الكثير من الفرص في ما يتعلق بتأمين دعم الذين تعرضوا لقمع الأجهزة الأمنية.

قد تكون الأجهزة الأمنية المصرية قادرة على تعطيل حركة حسم والقضاء عليها، فالمجموعة مازالت صغيرة ولديها القليل من الموارد ولم يتوفر لها الوقت الكافي لتكون قادرة على “الشفاء الذاتي” بنفس طريقة ولاية سيناء، بيد أن خطاب الحركة وتكتيكاتها يجعلانها تستحق عناية خاصة إذ تحاول استغلال موجة متصاعدة من عدم الرضا.

وهذا ما يخلص إليه ويحذر منه أيضا سكوت سيتوارت المحلل في مركز ستراتفور الأميركي، حين قال إنه على مدى بضع سنوات، كانت السلطات المصرية قادرة على القضاء على تنظيم أجناد مصر وإلحاق الضرر بالجناح الرئيسي لأنصار بيت المقدس، لذلك فإن القضاء على حركة حسم أمر ممكن لكن وبما أن الحكومة مشغولة بتضييق الخناق على المعارضة السياسية وعلى ولاية سيناء، فإن ذلك سيجعل الاهتمام بإيجاد واقتلاع جذور حركة حسم أمرا صعبا، الأمر الذي سيمنح مجالا أوسع للحركة لتصبح أكثر خطورة.

7