حركة حماس وأسلمة القضية الفلسطينية.. جرد لسجل الخسائر

أطلقت حركة حماس الإسلامية الإثنين الماضي وثيقة سياسية، أعلنت خلالها برنامجها السياسي القائم على القبول بإقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967، وشددت فيها على الطابع السياسي غير الديني للنزاع مع إسرائيل. وثيقة أثارت جدلا كبيرا بالنظر لما احتوته من تراجع حمساوي كبير عُدّ تكتيكا بدد وقتا طويلا وأنتج كما كبيرا من الخسائر. الوثيقة المعلنة من الدوحة بقدر ما تحمل نقاطا قابلة للنقاش والجدل، تمثل أيضا مناسبة لجرد الخسائر التي ترتبت على مسار أسلمة دشنته حماس منذ تأسيسها. خسائر لم تقتصر على ما أصاب قطاع غزة من حصار وعسكرة، بل طالت القضية الفلسطينية.
الأربعاء 2017/05/03
تديين الصراع كان وبالا على القضية وعلى غزة

سعي حركة حماس إلى أسلمة القضية الفلسطينية والسعي لتحويل غزة إلى “إمارة إسلامية” أنتجا جملة من المضار والخسائر يمكن رصدها في المحاور التالية.

الخسارة الأولى تمثلت في تعميق الانقسام داخل الصفّ الفلسطيني. هنا يشار إلى أنّ حدة الانقسامات داخل الصف الفلسطيني مشكلة هيكلية عرفتها القضية منذ بداياتها الأولى، إذ استطاع الانتداب البريطاني منذ العشرينات أن يستفيد من الصراعات الأسرية والأيديولوجية، مثل الصراع بين أسرتي الحسيني والنشاشيبي على قيادة الصف الفلسطيني.

وإلى حدّ سنة 1979، لم تقم إيران بدور يذكر في القضية الفلسطينية، وكانت قد اعترفت بإسرائيل وتبادلت التمثيل الدبلوماسي معها. وكان من نتائج الثورة قطع هذه العلاقات ودخول إيران بقوّة إلى المعسكر المعادي للصهيونية، وهذا في ذاته كان يبشر بتوفّر دعم جديد للقضية الفلسطينية، لولا أن هذا الدعم كان مشروطا بمساندة التوجهات التي وضعتها الثورة الإيرانية، ومنها مثلا المواجهة المفتوحة مع الولايات المتحدة الأميركية، والمواجهة المفتوحة مع بلدان الجوار التي تعتبرها الثورة موالية لأميركا.

ومع أن الصراعات داخل الصف الفلسطيني ظاهرة قديمة فإن الدرجة التي بلغتها بعد “أسلمة” القضية قد تجاوزت كل الحدود السابقة، إذ لم تعد منظمة التحرير ومؤسساتها قادرة على احتواء هذه الصراعات، بل الاستفادة منها أحيانا، كما حصل في السابق. وبدأ الصف الفلسطيني ينقسم انقساما حادّا بين صفّ قومي أو وطني تمثله منظمة التحرير، وصفّ إسلامي تجسّده حركة حماس التي لم تخف تطلعها إلى أن تحلّ محلّ المنظمة.

صبغ القضية بصبغة دينية إسلامية أدى إلى تراجع وحدة المسيحيين والمسلمين العرب حول فلسطين

وتوازى ذلك مع انقسام المنطقة نفسها انقساما ثانيا بعد عزل مصر، إذ تحالفت سوريا وليبيا مع إيران وساندت البلدان الأخرى العراق، وبذلك انقسمت البلدان الداعمة للقضية مجدّدا وأثر ذلك في موازين القوى. ونرى اليوم كيف انتصبت حكومتان تزعم كل منهما أنها تمثل الشعب الفلسطيني، واحدة في غزة والثانية في رام الله. ونرى أيضا أن حكومة حماس في غزة لم تحقّق شيئا مما وعدت به، وقد أوقفت العمل المسلح ضدّ إسرائيل منذ سنوات عديدة، بل إنها قدّمت خدمة لا تقدّر بثمن لإسرائيل عندما أراحتها من إدارة هذه الرقعة المنفجرة، بسبب وجود ما يقارب مليوني شخص على مساحة لا تتجاوز 365 كم مربع، حتى أنّ إسرائيل سعت أكثر من مرة في السابق إلى إقناع مصر باستعادتها.

الخسارة الثانية أو الضرر الثاني تمثل في تعميق الارتهان بالتجاذبات الإقليمية. لقد نجحت منظمة التحرير الفلسطينية بالكثير من العناء في أن تستفيد في الفترة السابقة من النزاعات الإقليمية، إما بالقيام بأدوار الوساطة، وإما بتأكيد علو القضية الفلسطينية على كل القضايا الأخرى، فغنمت من جهات متعددة، قومية وإسلامية واشتراكية وعالم ثالثية (دول عدم الانحياز). لكن ظهور حماس جعل الأيديولوجيا تطغى على الواقعية السياسية، إضافة إلى أنه ضرب الوحدة الفلسطينية بالتشكيك في تمثيلية منظمة التحرير الفلسطينية.

أصبح واضحا الآن أن الثورة الإيرانية كانت ثورة شيعية أساسا، وأنه لا يوجد إسلام بلا مذاهب، وهذا في ذاته ليس مشكلة إذا تمّ التعامل معه بوعي وواقعية. أمّا إذا حجبت التجاذبات المذهبية بإطلاقية كلمة إسلام، فإنها تجعل من الدين عاملا انفعاليا غير متحكم فيه. وقد رأينا عواقب ذلك في تنفيذ عمليات انتحارية في أوقات غير مناسبة، قدمت خدمات هائلة لإسرائيل ولدعايتها ضد الفلسطينيين ووصفها إياهم بالإرهابيين، ومنحتها الذريعة للتنصل من التزاماتها ومن ضغوط الدول الغربية عليها. وقد انتهى الأمر إلى إدراج حركة حماس في قائمة الإرهاب الدولية، اعتمادا على علاقاتها بإيران، بيد أن الجمهورية الإسلامية عندما تفاوضت مع الولايات المتحدة لتطبيع العلاقة معها، في إطار الاتفاق النووي، لم تكلّف نفسها إدراج القضية الفلسطينية في مسار انفراج العلاقات ولا رفع بعض الخسائر التي تكبدتها حماس خاصة، والقضية الفلسطينية عامة، من جرّاء استعمال هذه القضية ورقة في الصراع الإيراني-الأميركي في الشرق الأوسط.

الضرر الثالث لمسار أسلمة القضية الفلسطينية كان خسارة جزء من الدعم الدولي. يوم 10 نوفمبر 1975، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا يقضي باعتبار الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، ويصنفها ضمن الأفكار السياسية المدانة عالميا، وقد اتخذ هذا القرار بفضل تصويت الدول الاشتراكية ودول عدم الانحياز إلى جانب الدول العربية. هذا القرار نقضته الجمعية العامة نفسها بعد أن سقطت منظومتا الاشتراكية وعدم الانحياز. وبصرف النظر عن المضمون نفسه، فإن هذه الحادثة تبيّن كيف أن طرح القضية في لغة كونية يمنحها فرصا أكبر للدعم. ففي السبعينات من القرن العشرين، كان العالم يتعاطف مع حركات التحرّر الوطني، ويشعر بالصدمة مما يقع في جنوب أفريقيا من هيمنة أقلية البيض على الأغلبية السوداء وتطبيق نظام التمييز العنصري. ولقد استفادت القضية الفلسطينية، آنذاك، من هذا المناخ العام، ومن التوجّه الكوني لرفض الهيمنة كي تحصل على دعم واسع من بلدان العالم.

الخسارة الرابعة هي خسارة الدعم المسيحي. لم يترتب على أسلمة القضية مجرّد قطعها عن اللّغة الكونية لحقوق الإنسان والتحرّر الوطني، بل قد قدّمت خدمة للطرح المقابل، إذ لا يخفى أنّ المسيحيين في العالم وعددهم يتجاوز المليارين يقرؤون العهد القديم، والجزء الأكبر منه يتحدث عن شعب إسرائيل في فلسطين، فيتهيّؤون نفسيا لقبول فكرة الحق التاريخي لليهود في هذه الأرض، من خلال قراءة حرفية ومباشرة للنص الديني، لا تأخذ بعين الاعتبار تأويلات أخرى تراكمت لدى الكنيسة الكاثوليكية تحديدا، التي ظلت رافضة للاعتراف بإسرائيل إلى وقت قريب. وقد اضطلع المسيحيون العرب بدور مهم في تشكيل هذا الموقف الكنسي، الذي يبدو معارضا لحرفية القراءة الدينية، ولذلك ارتبط بالكاثوليك، تحديدا، دون البروتستانتية التي لا تعترف بقرارات روما.

منظمة التحرير الفلسطينية نجحت بالكثير من العناء في أن تستفيد في الفترة السابقة من النزاعات الإقليمية، إما بالقيام بأدوار الوساطة، وإما بتأكيد علو القضية الفلسطينية على كل القضايا الأخرى

ومهما يكن الأمر، فإن الحضور البارز للمسيحيين العرب في القضية الفلسطينية منذ بداياتها إلى حدّ السبعينات من القرن العشرين، قد أسهم في إيجاد تعاطف كاثوليكي واضح مع القضية، تجسّد في رفض الفاتيكان الاعتراف بدولة إسرائيل إلى حدّ سنة 1993. أما صبغ القضية بصبغة دينية إسلامية، فقد أدّى إلى تراجع الوحدة بين المسيحيين والمسلمين العرب حول فلسطين، وإلى تراجع جزء من الدعم المسيحي العالمي للقضية من منطلق دعم المسيحية العربية، واعتبار القدس مدينة مسيحية أيضا، وفلسطين مهد المسيح.

الخسارة الخامسة تمثلت في تحويل القضية إلى مسألة إنسانية. من التطوّرات التي تحصل حاليا للقضية الفلسطينية، السعي إلى تحويلها إلى صنف القضايا الإنسانية، مثل القضايا المتعلقة بالمجاعات أو الأوبئة، ومحاولة معالجتها على هذا الأساس. وتمثّل محاولات تركيا الاستئثار بهذه القضية، في منافسة مع إيران وبديلا عن مصر وسوريا والعراق وغيرها من البلدان العربية، دعما قويا لهذا التوجّه.

إذ أن تركيا مرتبطة بإسرائيل بعلاقات دبلوماسية وتجارية وعسكرية وثيقة، ويمكن لها أن تلعب دور الوسيط الإنساني بين إسرائيل والفلسطينيين، لا سيما أنها تبدو الأكثر قدرة على ترويض حماس والضغط عليها لقبول هذا التحوّل، ودعم سلطة فلسطينية وهمية في قطاع غزّة، وهو قطاع لم تعتبره إسرائيل قط جزءا من حدودها “التاريخية” وسعت باستمرار للتخلص منه.

وبذلك تصبح “الدويلة الفلسطينية” الأصولية خاصرة في جسم مصر أساسا، تدعم الحركات الإرهابية والمتطرفة، بينما تعمل تركيا على توفير المساعدة الإنسانية لحوالي مليوني فلسطيني يعيشون في قطعة أرض ضيقة. فتغنم تركيا من الجانبين، إذ تبدو أمام الفلسطينيين بصيغة المنقذ والمدافع عن حقوقهم أمام القوة الإسرائيلية الرهيبة، وتبدو أمام إسرائيل والغرب صاحب الحل الواقعي الذي يخلصهم من وجع الدماغ، الذي تتسبب فيه هذه القضية التي لم تعد لها أهمية استراتيجية كبرى في المنطقة، لا سيما بعد الثورات العربية.

خلاصة من بحث محمد حداد “قضية فلسطين في الوعي الإسلامي”، ضمن الكتاب 119 (نوفمبر 2016) “أزمات المسلمين الكبرى” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

13