حركة حماس ومؤتمرها وحساباتها الفلسطينية

قوة حماس تأتي فقط من التصالح مع الشعب والفصائل الفلسطينية، وبالذات حركة فتح. لقد جاء وقت الحسم، فهل ستكون حركة حماس جزءا من المستقبل الفلسطيني أم ستبقى تغرد وحيدة ويهيم قادتها حول حلم صعب التحقيق؟
الثلاثاء 2020/03/10
هل ستبقى حماس تغرّد وحيدة؟

يأمل الشعب الفلسطيني أن يكون المؤتمر الحالي لقيادات حركة حماس فرصة لإدراك حقائق الواقع وفهم طبائع الأمور بشكل موضوعي، ومعرفة ما يمكن تحقيقه وليس ما نحلم بتحقيقه، وما نستطيع تحقيقه سوف يأتي بجهد الشعب الفلسطيني وفصائله وليس بذراع حماس وحدها.

تختلف الآراء عمّا يدور في حماس من تحركات في الفترة الحالية، ويكثر الكلام عن أسباب ومسببات ابتعاد إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي للحركة، وزمرة من رفاقه ومعاونيه عن قطاع غزة دون تفسير رسمي واضح.

صدر عن بعض المسؤولين الحمساويين أن السبب هو متطلبات الانتخابات الحالية لقيادات حركة حماس، ومن الطبيعي أن تتخذ الحركة كافة الوسائل لحماية قادتها من آلة القتل والاغتيال التي تملكها إسرائيل والتي أشبعت الفلسطينيين تقتيلا وإبادة، على أن الانتخابات الداخلية تأكيد مارسته حركة حماس منذ إنشائها.

يحمل دخول اللعبة الدولية في طيّاته مخاطر كبيرة وتنازلات أكبر، ذلك لأن القوى المسيطرة في عالمنا حسمت مواقفها وفق مصالحها التي لا تتجانس دائما مع مصالح الدول الصغرى أو أهداف حركات التحرير الوطني، كما اكتشفت حركة فتح بعد ثلاثين عاما من العمل العسكري والسياسي ذلك. ففي الزيارة الأولى للرئيس الراحل ياسر عرفات إلى موسكو كان أول ما قاله له الرئيس السوفياتي الأسبق ليونيد بريجنيف “أيها الرفيق عرفات متى ستعترف بإسرائيل”.

ترفض حركة حماس اليوم النهج السياسي الذي مضت عليه حركة فتح، مع أن تصرفاتها الحالية تشير إلى عكس ذلك، وهناك تحولات عديدة تؤكد هذه النتيجة، مثل ترتيبات التهدئة مع إسرائيل عبر الوساطة المصرية، والإعلان المتردد عن قبول دولة فلسطينية على حدود عام 1967. علاوة على المداعبات أو التحركات الرمزية بشأن وجود رغبة أميركية في عدم الممانعة للتحدث مع حماس، وقبول زيارة موسكو ولو دون مقابلة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والانصياع للنصيحة الروسية بزيارة السفارة الفلسطينية في موسكو.

كل هذه التحولات تذكّر بسنوات العقد الثامن من القرن الماضي لمنهج حركة فتح الذي تسبب في صراع داخلي وخلافات واغتيالات فتحاوية داخلية. فهل يشهد العالم هذا المنهج اليوم داخل حركة حماس؟ لأن التطورات المتلاحقة تفرض على كثير من القوى عدم تجاهلها ومراعاة تداعياتها السلبية.

تملك حماس في الفترة الحالية القوة والاعتراف الدولي غير المعلن بقدرتها على السيطرة على قطاع غزة، كما اعترفت شخصيات عسكرية إسرائيلية بذلك مؤخرا، فهل ستبدأ قريبا المحادثات والمفاوضات لإرساء كيان سياسي حمساوي، لا يضم القدس الشريف، وتحيطه الصحراء في قطاع غزة؟ وهل يمكن لزعيم في حماس قبول ذلك مقابل اتفاق سلام مع إسرائيل؟

أثبتت حركة حماس جدارتها وقدرتها على مقاومة إسرائيل، الأمر الذي يعترف به العدو قبل الصديق، ودفعت ثمنا باهظا من الشهداء والجرحى والأسرى، كما دفع الشعب الفلسطيني ثمنا غاليا يحتاج إلى أجيال طويلة لعلاجه.

قد تكون بعض الدول العربية والإسلامية تدعم حماس وتساعدها في تجاوز الحصار بالسلاح أو المال، لكن كل هذا الدعم ليس موجها ضد إسرائيل أو لوقف ابتلاع الأرض الفلسطينية أو المقدسات الإسلامية، وقادة حماس يعرفون ذلك جيدا.

بعد حوالي 15 عاما من النكبة وقيام دولة إسرائيل وتشرّد الفلسطينيين في أراضي الدول المحيطة بها، أدركت الدول العربية أنها تتبنى قضية الفلسطينيين وتحارب من أجلها، دون مشاركتهم.

ورغم الدماء الفلسطينية والعربية التي سالت على أرض الصدام وحولها، فقد كان ما تبقّى منها يخضع للحاكم المصري في قطاع غزة، بينما تم ضمّ ما تبقى من أرض في الضفة الغربية إلى التاج الأردني.

احتفظت الدول العربية أيضا بحق اختيار وتعيين المندوب الفلسطيني لجامعة الدول العربية، وكان القرار العربي بالمشاركة في التصدي للتجمع العسكري الإسرائيلي، المشكّل من قوى المنظمات الصهيونية المدعومة من جيش الاحتلال البريطاني وعشرات الآلاف من المتطوعين الأجانب، عاملا فاعلا في دعم المقاومة والتخفيف عن الضحايا الفلسطينيين العزّل، كذلك الاحتفاظ بأجزاء من الأرض.

قفز مبدأ المشاركة الفلسطينية، العسكرية والسياسية، إلى مقدمة التوجه العربي نتيجة للحماس الذي أبدته القيادة للمشاركة بتلك المبادرة العربية، على تواضعها، من أجل تقرير مصير الفلسطينيين ومصير وطنهم.

في تلك الفترة تعاهد شباب فلسطينيون، بعيدا عن أرضهم، على فرض تواجدهم في مقدمة المسؤولية والتضحية لاسترداد بلادهم، وترافق زمنيا القرار العربي  للنظر في تسليم أمور الفلسطينيين لهم، وتم تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية بقرار من حفنة من الشباب العامل في دول الخليج العربي تشكيل حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) سبّاقة لاستلام العلم.

9