حركة رمزية؟

حركة أقل ما يقال عنها إنها غير لائقة ولا تجوز في حق الطفلتين اللتين أهينتا في الفضاء العام وعرضتا كبضاعة للبيع لأن والدهما شخص متواكل واعتاد العيش على المساعدات وربما على التسول بهما أو لأجلهما.
الثلاثاء 2018/09/25
عرض الأبناء للبيع يمس من جوهر الأبوة والأمومة

أب لطفلتين يخرجهما من المنزل ويأخذ لافتة يدوّن عليها أنه يعرض ابنتيه (6 و10 سنوات) للبيع ليرفعها على حافة الطريق رفقة الطفلتين (البضاعة المعروضة للبيع)، يُصوَّر ويبدو عن قصد لنشر الفيديو على صفحات التواصل الاجتماعي. نشر الفيديو وتمت مشاركته على العديد من صفحات الفيسبوك وأثار ما فعله الأب نقاشا واسعا في الأوساط الاجتماعية والإعلامية.

اعتبر مراسل لإحدى الإذاعات التونسية الخاصة في نقله للحادثة أن ما فعله الأب ليس إلا حركة رمزية للفت الانتباه وأنه لا ينوي فعلا بيع ابنتيه. بقدر ما أثارت الحادثة استغرابي لفت انتباهي وصف المراسل لها على أنها حركة رمزية ومروره بعد هذه العبارة إلى التبرير بالرغم من أنه أكد للمذيعة أنه لا يبرر ما أقدم عليه الأب إلا أنه وقع في التبرير وأسهب فيه.

كل ما نقله المراسل يدين الأب بشدة فهو شخص سليم معافى لا يشتكي من أيّ إعاقة ويعاني البطالة والفقر مثل عدد هام من الشباب وأرباب الأسر في تونس، ربما لم يجد عملا لكنه قادر على تحمل مسؤوليته وعلى إيجاد واستنباط حل يؤمّن به قوت أسرته اليومي وكثيرون يفعلون ذلك في مجتمعنا التونسي ولا غرابة في الأمر فهناك من يجني قوته بجمع نفايات البلاستيك مثلا ويبيعها بمقابل زهيد، المهم أنه في نهاية الأمر يجد مبلغا يكفيه ليطعم أسرته ولا يمد يديه للتسول، هؤلاء أشخاص محل احترام وتقدير لأنهم يكافحون ويشقون في سبيل كرامتهم وقوتهم.الأب البائع لابنتيه اعتاد أن يعتمد على المساعدات وكان يقصد السلطة الرسمية المسؤولة في المحافظة ليطلب المساعدة المالية ويبدو أنه بات يعول على هذه المساعدة منذ فترة طويلة، لكن يوم طلب منه تحمل مسؤوليته والتوجه نحو مكاتب العمل للبحث عن عمل، صدم ولم يتقبل هذا الموقف فما كان منه إلا أن يحضر البنتين ولافتة الإعلان عن البيع والوقوف على الرصيف والأكيد أنه أراد من هذه الحركة جذب انتباه المسؤولين وأصحاب القرار وكذلك الرأي العام لوضعه فحسب.

هذه الحركة التي وصفها المراسل بالرمزية -وبالنسبة لي الصفة ارتقت بها كثيرا ولا تناسبها- هي حركة أقل ما يقال عنها إنها غير لائقة ولا تجوز في حق الطفلتين اللتين أهينتا في الفضاء العام وعرضتا كبضاعة للبيع لأن والدهما شخص متواكل واعتاد العيش على المساعدات وربما على التسول بهما أو لأجلهما.

وإن كان المقصود هو لفت الانتباه لوضعه الخاص والبحث من خلال حركة رمزية عن حلول وعن منقذ فهذا لا يسمح ولا يبرر لأب أن يقف في الطريق العام عارضا بنتيه للبيع كأي سلعة تباع وتشترى. هل فكر هو كأب وهل فكر من يبرر حركته الرمزية هذه في تأثيراتها على بنتيه؟ في إحساسهما حينها وبعدها وعندما تكبران؟ كيف ستنظران لنفسيهما ولوالدهما وللمجتمع والدولة التي أوصلت رب أسرة إلى أن يقدم على مثل هذه الخطوة أو ما أسموه الحركة الرمزية المهينة له ولبناته؟ أسئلة كثيرة تستفز من يرى مشهد أب -أو أم- يعرض ابنه للبيع، بعضها يمس جوهر ومفهوم الأبوة والأمومة كأرقى دور يقوم به الإنسان في حياته.

21