حركة طالبان تحتوي الشيعة لخلط أوراق داعش

مساع لمواجهة الرواية الطائفية لتنظيم الدولة الإسلامية بالتركيز على المصالحة المجتمعية.
الثلاثاء 2020/05/12
استدارة طالبان نحو السياسة

تجتهد حركة طالبان منذ توقيع اتفاق نهاية شهر فبراير الماضي مع الولايات المتحدة، من أجل تقديم نفسها في صورة الحركة السياسية التي قطعت مع العنف والإرهاب، لكن الحركة تواجه أيضا كفاحا موازيا من أجل سحب البساط من تحت تنظيم داعش في المنطقة. جهد دفع الحركة إلى مناقضة تاريخها وأدبياتها ومد يدها للشيعة الهزارة في خطوة تتقصد من خلالها تحقيق أهداف سياسية وإستراتيجية متداخلة.

نشرت قنوات معبرة عن حركة طالبان الأفغانية، مؤخرا، لقاء مصورا مع مولوي مهدي، أحد الحكام الإداريين الشيعة بالحركة السنية، وهو حاكم منطقة بلخاب شمال مقاطعة سربل، ضمن سياق حرصها على إظهار اختلافها عن تنظيم داعش، والتأكيد على نفي نزوعها إلى التصنيف الطائفي.

تكابد طالبان في سبيل خلق واقع مجتمعي طارد لتنظيم داعش كي لا ينحصر الصراع مع الأخير في شقه العسكري، حيث ثبت طوال السنوات الماضية أن المواجهات المسلحة، والتي أسهمت في تغذيتها الولايات المتحدة، لم تقوض دينامية التنظيم أو تحبط قدراته على تجديد رأسماله البشري ودمائه القيادية بصورة مستمرة، خاصة بعد أن ضاقت به السبل في الشرق الأوسط، ولجأ إلى الاحتماء بالبيئة الخصبة في أفغانستان وبعض الدول الآسيوية، والتي حافظت على درجة من تقبل التنظيمات المتشددة واتساع نطاق نشاطها في أجواء بدت قادرة على استيعابها.

تتشكل في أفغانستان الآن ملامح مرحلة تتميز بحرص كل طرف من أطراف المعادلة الأفغانية على تأكيد مكاسبه عبر التوطيد لعلاقات إقليمية قد تسعف في التعامل مع الآخر من موقع قوة مع تعقيدات الوضع الداخلي.

عدّلت حركة طالبان من إستراتيجيتها بما يتسق مع طبيعة المرحلة وبما يناسب وضعها بعد إبرام اتفاق سلام مع واشنطن، عبر التعامل بمقتضيات الدولة المنضبطة لا الحركة العشوائية، وانتهاج أساليب دبلوماسية والدخول ضمن تكتلات، عوضًا عن العنف لحل المشكلات.

يرجع سعي طالبان إلى إنجاز علاقات متميزة مع شيعة أفغانستان في الداخل مع ما تعكسه من رغبة في فتح قنوات اتصال مع طهران، إلى حرصها على إعادة ترتيب المشهد الأفغاني بشكل يمكن أن يمنحها العديد من الخيارات التي تضاعف قدرتها على إدارة الصراعات مع كل من فرع داعش بأفغانستان، أو ما يُعرف بتنظيم خراسان ومع الحكومة الأفغانية المحلية. يناقض تعامل طالبان مع شيعة الهزارة خطط داعش التي اعتمدت السلوك الطائفي في سبيل تجذير أقدامه في التربة الأفغانية.

الحاضنة المجتمعية

اتفاق سياسي يخدم طالبان
اتفاق سياسي خدم طالبان

صب داعش تركيزه على الوتر الطائفي في أفغانستان مؤملًا تكرار أسلوب صعوده في سوريا والعراق، ومستغلا اختلاف الطوائف ووجود معتنقي المذهب الشيعي في كل من باكستان وأفغانستان لتأجيج النعرات المذهبية بغرض تشكيل حاضنة مجتمعية للتنظيم.

ودشن التنظيم حضوره عبر البيان الذي أطلقه تسعة من جهاديي القاعدة في باكستان وأفغانستان، والمعروف بالبيعة الخراسانية، حيث أعلنوا الولاء لزعيم داعش السابق أبوبكر البغدادي.

تميزت البيعة الخراسانية عن غيرها بأمرين؛ الأول نقل صراع داعش ضمن حيز التنافس المحدود داخل سوريا مع جبهة النصرة، هيئة تحرير الشام حاليا، إلى ساحة التنافس مع القاعدة وتهديد نفوذ أيمن الظواهري في قلب معقله في أفغانستان، والثاني التمايز عن القاعدة وطالبان بتكفير الشيعة أو الروافض وفق المصطلح الذي يستخدمه داعش.

احتفى البغدادي في حينه بالبيعة الخراسانية داعمًا محاورها عبر تسجيل بعنوان “وليُمكنَنّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم”، واصفًا الشيعة بأنهم “شر من اليهود والصليبيين”، ومحرضا على استهدافهم بقوله “وأدخلوا عليهم كل باب واذبحوهم ذبح النعاج واقتلوهم قتل الذباب”.

تتحسب طالبان لصعود مفترض لداعش من خلال مزايدة الأخير على القاعدة وطالبان لمفارقتهما الخط الجهادي وتقديم المصالح السياسية على الثوابت الشرعية وعقد معاهدات صلح مع أعداء الجهاديين التقليديين، علاوة على خطط شق صفوف القاعدة وطالبان واستقطاب المتشددين داخلهما والتشكيك في نهجهما الفكري واتهامهما بالتسيب في الدين وإهدار الشريعة.

تعامل طالبان مع شيعة الهزارة، يناقض خطط تنظيم داعش التي اعتمدت السلوك الطائفي في سبيل تجذير أقدامه في التربة الأفغانية

تنبهت طالبان لخطر داعش على مستقبلها في السلطة بفضل خبرتها بطرق تجنيد الجهاديين، حيث لا تستبعد حشد أعداد لا يُستهان بها منهم حول رواية تكفير الحركة والحكم بردتها، ما يؤشر على إمكانية نشوب صراع عسكري شرس بين الحركة والتنظيم، يمكن أن يؤدي إلى إضعافهما معا، وهو ما يصب، في النهاية، في مصلحة الحكومة الأفغانية التي من المرجح أن تدخل مرحلة مريرة من الصراع مع طالبان الفترة المقبلة.

ترغب الحركة في قطع الطريق على المشروع الداعشي في أفغانستان خارج ساحة الحرب، وبتكتيك يُغني عن الصراع المسلح، وتجد أن استخدام الورقة المجتمعية وتحريك الرفض الشعبي في مواجهة داعش السبيل الناجع لإفشال التنظيم قبل أن يستفحل وتصبح السيطرة عليه غير ممكنة، مع الحفاظ على مقدرات وطاقات الحركة كي لا تُستنزف في صراع مسلح جديد يصعب التكهن بنتائجه.

وتقدم طالبان نفسها لرجل الشارع الأفغاني ككيان أكثر تسامحًا بالمقارنة مع داعش الذي يتميز بالوحشية على المستويين الاجتماعي والسياسي، وتراهن على رفض الشعب الأفغاني للنسخة المتشددة التي يتبناها داعش.

التسامح والوحشية

دوامة العنف
دوامة العنف

يركز قادة طالبان على وسائل تفريغ جاذبية داعش لدى جهاديي المنطقة من مضمونها، ويتحدثون عن تعويض عجزهم عن مسايرة قدرات تنظيم خراسان المالية بحكم الرواتب الأعلى التي يمنحها لأعضائه عن الإرهاق من حرب بلا نهاية والرغبة في إنهاء أربعة عقود من النزاعات، وهي رواية تمسّ عاطفة غالبية أعضاء الحركة ممن شهدوا مقتل وإصابة العديد من رفاقهم.

تراهن طالبان لمواجهة الرواية الطائفية التي يتبناها تنظيم ولاية خراسان على رغبة المواطنين في المصالحة المجتمعية عبر منح الولاءات القبلية دورًا أكبر في المرحلة المقبلة على حساب الانتماءات التنظيمية، ما يترتب عليه التوسع في إسناد المناصب الإدارية على أساس العلاقات والمكانة القبلية مع توخي الكفاءة، وهو ما يطمئن كافة الولاءات القبلية والمذهبية بشأن شراكتها في السلطة في حال تم التمكين لطالبان.

ينطوي سعي طالبان لكسب ولاء القبائل عبر عروض الشراكة في السلطة على رسائل مؤداها البدء بتقديم إسهامها في تقويض حضور داعش، خاصة أن فرع ولاية خراسان يتمتع بنفوذ قوي في المناطق القبلية في ولاية ننجرهار وبعض مناطق ولاية كونر.

اقتضى تكريس المزيد من البراغماتية تجاوز ماضي العداء بين قومية البشتون التي خرجت منها طالبان وقومية الهزارة الشيعية، وهو ما تعده الحركة، التي تقف على أعتاب تحولات كبيرة في تاريخها، إحدى علامات التحلي بمنطق الدولة، ضمن العديد من الإشارات التي ألحت طالبان على إرسالها مؤخرا لتبرهن لبعض الأطراف الخارجية والداخل الأفغاني على أنها مختلفة عن داعش وغيره من التنظيمات السلفية الجهادية.

Thumbnail

تهدف خطط تقارب طالبان من شيعة أفغانستان إلى الاستفادة من ثقل قبائل البشتون بغرض الحد من الصراعات المذهبية، بما يقلل من فرص داعش في التمدد علاوة على تداول اسم طالبان كطرف أفغاني يعتنق قومية محلية وينسج علاقات جيدة مع الجميع، محافظًا على ما توارثه المجتمع الذي لم يشهد تاريخه خلافات حادة بين السنة والشيعة، ما يحرج داعش ويكشفه كتنظيم غريب عن البيئة المحلية وساع للإخلال بأعرافه وتقاليده.

لم يكن نشر طالبان لفيديو اللقاء مع القيادي الشيعي في صفوفها موظفا فقط باتجاه خلق رأي عام مجتمعي وراء الحركة في مواجهة مشروع تنظيم داعش، فالحركة تريد أيضًا أن تبعث رسالة إلى إيران مفادها أن الاتفاق مع واشنطن ليس على حساب علاقاتها الأخرى، سواء كانت مع إيران أو روسيا أو الصين.

إعادة بناء علاقات إستراتيجية بين طالبان وطهران تمنح الأولى المزيد من أوراق المناورة السياسية مع واشنطن، وتفرض الحركة كلاعب لا غنى للقوى الدولية والإقليمية عن التعاون معه في سبيل لعب دور في مستقبل أفغانستان السياسي.

12