حركتا فتح وحماس تطلقان بيانا عن مقاومة مزعومة

هل يستطيع الذين أسهموا في خنق الشعب ورفع معدلات الانتحار وإنكار حقوق الناس في الحريات السياسية أن يأخذوا هذا الشعب إلى مواجهة تتصاعد حسابيا وطرديا مع تصاعد الفعل الاحتلالي العدواني؟
الأربعاء 2020/09/16
مواجهة الشعب

لم يكن الفلسطينيون يتوقعون أن يصل طرفا الخصومة والانقسام، فتح وحماس، لاستخدام عبارات ناصعة، مشحونة بكل معاني العنفوان، لصياغة بيان يمثل نوعا من الدعاية الكاذبة، بدل التوجه إلى الوحدة وإنهاء الانقسام ونبذ المشروعات غير الواقعية للتعامل بطريقة مسؤولة وراشدة مع حقائق السياسة وظروف الشعب الفلسطيني الاقتصادية والاجتماعية.

فقد أصدرت الحركتان بيانا فوقيا بتوقيع “القيادة الموحدة للمقاومة الشعبية” وجاءت نبرة البيان مستعلية على فصائل أخرى فضلا عن استعلائها على الشعب، وكأن المجتمع الفلسطيني مفتون بقيادات فتح وحماس، أو كأن شعب فلسطين هو الذي أخلف كل المواعيد مع الحركتين، أو كأنه هو الذي انقسم على نفسه، وهو الذي ابتلى نفسه بأوضاع سياسية عطلت أي ردود فعل شعبية على الفجور الإسرائيلي، قبل أن يدخل العرب مرحلة التطبيع!

إن أي فصيل فلسطيني، لا يملك منفردا أو متضامنا مع فصائل أخرى، القدرة على إطلاق أي نوع من المقاومة، بمجرد الضغط على الزر. فهذا إعجاز لم يعرفه تاريخ المقاومة في العالم، ولم تحصل عليه حركات التحرر الرصينة، إلا بعد أن اشتغلت عميقا وطويلا لكسب ولاء ودعم مجتمعاتها.

وبالطبع سيكون إطلاق مقاومة شعبية، بمجرد الضغط على زر، أكثر من مستحيل عندما يتعلق الأمر بغائبين عن حياة وأوقات الناس، فيجدون أنفسهم في يوم وليلة مضطرين إلى تدبيج بيان باسمهم وباسم شعبهم، يؤكد على انطلاق مقاومة يكونون هم قادتها ورموزها. فمن دواعي السخرية أن هؤلاء يرون أنفسهم صالحين لكل الأدوار على تناقضها وعلى توالي الزمن واختلاف المراحل.

 خلال كل التداعيات التي شهدناها، أثناء التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، والتعدي على المواطنين الفلسطينيين ونسف البيوت وتنفيذ الإعدامات الميدانية وغير ذلك من الفظاعات؛ كانت هناك دعوات فصائلية، لاسيما عباسية تحديدا، لإطلاق مقاومة شعبية ثم التحدث عنها في المحافل العربية والدولية وكأنها حقيقة واقعة. لكن هذه المقاومة لم تنطلق، على الرغم من توافر أسبابها القهرية الكثيرة، التي تمس حياة الفلسطينيين اليومية.

وخلال الفترة العباسية، جرت فعاليات معزولة ومحدودة للتظاهر الاحتجاجي، مُنع بعضها، وفي بعضها الآخر تجمع بعض الناس في نقاط ملاصقة للجدار العنصري العازل، ولم تشارك الفصائل الكبرى، ولم يكن العدد يضاهي عدد الساهرين في صف واحد من المقاعد، في حفل غنائي من ليالي “روابي” الجديدة العامرة شمالي رام الله، التي كان لقطر فعل تأسيسها لكي يختلط سكانها من كل ملة وبلد.

لم يستح المتشدقون بالحديث عن المقاومة الشعبية حتى عندما شارك في الفعاليات المتواضعة مواطنون أجانب محترمون متعاطفون، وأمثالهم من الإسرائيليين. لذا فإن أقل ما يمكن قوله، هو أن هكذا بيان، يستهبل عقول الناس، وأصحابه يطرحونه بأسلوب فوقي عفا عليه الزمن. والأطرف أن هذا البيان يخطئ في صياغة عنوانه. لأن عبارة “البيان الأول” هي علامة فارقة للتحولات التاريخية، إذ يختلف تماما كل ما يأتي بعد “البيان” عن الذي قبله، في السياقات وفي الوجوه وفي بنية النظام السياسي، وفي آليات العمل ووجهته وثقافته.

المقاومة الشعبية، في جوهرها، ليست إلا عملية استنهاض اجتماعي بالدرجة الأولى
المقاومة الشعبية، في جوهرها، ليست إلا عملية استنهاض اجتماعي بالدرجة الأولى

السؤال هنا: هل تملك الفصائل والأحزاب والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني، مثلما نتمنى، شرف ومصداقية الادعاء بأنها قادرة على رعاية صيرورة تاريخية حاسمة، مثلما يوحي هذا البيان؟ ومن أي معطيات سياسية داخلية، واجتماعية واقتصادية، ينطلق مثل هذا البيان؟ وهل نحن مضطرون إلى تكرار الكلام عن طبيعة المقاومة الشعبية وشروطها؟

لعل من أطرف وأكثر المفارقات، أن عزام الأحمد، كان، كالعادة، أول المبشرين، وهذه المرة بالمقاومة الشعبية وبالفحوى الواعد في “البيان الأول” كأنما أحد ممن لا يريدون للفلسطينيين أن يقاوموا شعبيا وأن يكونوا جديين في العمل على مشروع مقاومة شعبية، قد دفع عزام الأحمد إلى التبشير، وهو من هو في قدرته على إفشال كل شيء، لضرب الفكرة قبل أن تظهر.

كذلك فإن أوائل الداعين إلى المقاومة الشعبية في زمن عباس؛ كانوا ومازالوا يظنون أنها محض نقيض للعمل المسلح، ويمثل الإعلان عنها تعليلا مقبولا للتنصل منه.

فهؤلاء يريدون من هكذا مقاومة مزعومة، “جمالياتها” فقط، وأهمها الإفلات من تبعات المقاومة المسلحة عليهم، على النقيض مما حدث لياسر عرفات، والحفاظ على أدوارهم، وتجديد أهليتها، بالحديث الدائم عن لامشروعية السلاح الآخر ووجوب ملاحقته ونزعه، بل وإدانة سكاكين الفتية الغاضبين، حتى وصل الأمر، لإقناع إسرائيل بجدارتهم، من خلال الادعاء بأن الحقائب المدرسية التي يحملها أبناؤنا الصغار، محشوة بالسكاكين.

ما يهمهم هو إظهار “مآثرهم” في حماية الاحتلال، فلا يترددون في تشويه سمعة المدرسة والأسرة والطفل في بلادهم. بعد ذلك لا شيء يتحدثون عنه، يزيد عن الذي يكتبه جدعون ليفي، نائب رئيس تحرير جريدة هآرتس عن الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية.

معلوم أن المقاومة الشعبية، في جوهرها، ليست إلا عملية استنهاض اجتماعي بالدرجة الأولى، وهذه عملية تتطلب أولا نمطا من الطلائع التي ترقى إلى  مطارح الإسهام فيها. ففي المقاومة الشعبية، تتحدد الأهلية لمن يقودونها، من خلال ما يراه المجتمع من خلال سلوك كل واحد منهم، وحماسته لأن يكون ممن يشبهون الناس أصلا في نمط حياتها، ولا يتأخرون عن التواجد في المقدمة، مستعدين لدفع الثمن.

وبكل صراحة نسأل: هل يستطيع الذين أسهموا في خنق الشعب ورفع معدلات الانتحار، وفي سد الآفاق وفي حبس أصحاب الرأي المعارضين، وتجويع أسرهم، وإنكار حقوق الناس في الحريات السياسية والمشاركة؛ أن يأخذوا الشعب إلى مواجهة تتصاعد حسابيا وطرديا مع تصاعد الفعل الاحتلالي العدواني؟

يمكن أن نتغاضى عن حقيقة أن معظم المقاومات الشعبية في التاريخ، كانت رديفا اجتماعيا للمقاومة المسلحة؛ لكن ما نعلمه ونُصِرُ عليه، من خلال تجربتنا في الضفة الفلسطينية، هو أن معظم أنفار الطبقة السياسية لا يصلحون لشيء، ولا نقول ذلك جزافا وإنما عن تجربة. ففي انتفاضة الأقصى المريرة، توارت جميع القيادات عن الأنظار وحافظت على بطاقات الشخصيات المهمة التي أصدرها لهم الاحتلال.

وحدَهُ مروان البرغوثي، الذي ظهر أمام كاميرات التلفزة يعبر سياسيا عن الانتفاضة، وبالنتيجة وفي قراءة مختزلة، استشهد الزعيم الرمز ياسر عرفات، والقائد الوطني أبوعلي مصطفى، ومُنيَ مروان البرغوثي وأحمد سعدات بالسجن المؤبد مُكررا. وفي غزة، استُشهدت كوكبة من قادة حماس وقاماتها الغر الميامين، وعلى رأسهم مؤسسها الشيخ أحمد ياسين. فمن وماذا تبقى بعدئذ، غير هؤلاء الذين أنتجوا مرحلتهم بكل أوصافها؟

كل الثناء والدعاء بالتوفيق لأصحاب “البيان الأول”. فمن واجب الفلسطينيين إعلان الحداد والاحتجاج على هكذا فصائل مع أو قبل الاحتجاج على التطبيع مع إسرائيل، وهو يحدث في أسوأ وأقبح مراحل عدوان هذه الدولة، وتطرفها وإنكارها للحق الفلسطيني ورفضها لصيغ ومبادرات السلام العربية. ومن واجب الفلسطينيين أيضا، دعوة أصحاب “البيان الأول” إلى العمل مع النخب الاجتماعية والثقافية، على إعادة بناء النظام الوطني الفلسطيني، لتكريس الوحدة والعدالة والقانون، لكي يكون الفلسطينيون قادرين على استيعاب مهمة بحجم المقاومة الشعبية، من خلال مؤسسات دستورية مع شيء من التمكين للشعب الذي يراد منه الاحتجاج.

9