حرمان

الاثنين 2016/01/18

صديقتي حنان طبيبة نفسية، ولكننا نتحاشى الحديث عن العمل خلال لقائنا الأسبوعي بالنادي لمتابعة تدريب صغيرينا على السباحة، نجلس أمام المسبح نتطرق للكثير من الموضوعات ونختلس بعض نظرات تمنح الصغار بعضا من الاهتمام مستمتعتين بمشروبنا الدافئ، ولكن في أحد الأيام انضمت إلى ثنائياتنا أم أربعينية مهمومة، تشكو ضعف مستوى طفلها الدراسي وتراجع نموه العقلي والبدني، وقد طافت به على الأطباء تعالج أمراضا جسدية وأنيميا تظنها تأكل جسد الصغير، فنصحتها حنان بمتابعة الطفل نفسيا، مؤكدة أنه يعاني جوعا عاطفيا وعدم اهتمام.

انزعجت الأم تنفض عن نفسها ما ظنته اتهاما بالفقر وبدأت تسرد المميزات التي يستمتع بها الصغير في ظل مستوى مادي واجتماعي مرموق، وعادت الطبيبة النفسية تؤكد على خطورة الإسراف في الإنفاق المادي مع شح الاهتمام العاطفي، استغرق الأمر الكثير من الوقت حتى بدأ استيعاب الأم لحاجات ابنها النفسية يعود لمؤشر يبشر ببوادر تفهم.

من خلال عملي الصحفي تعرضت لمثل هذه المشكلات التي تعود لعوامل نفسية وأكثر منها بكثير، فهناك بعض الأطفال الذين يعانون خللا عاطفيا تحول إلى خلل نفسي وسلوكي، مثل الطفل الذي يستمتع بسرقة زملائه رغم عدم حاجته، والذي يخرب ممتلكات الغير من سيارات بمسمار أو آلة حادة، وهو يعلم عدم جنيه أي فائدة جراء سلوكه، والطفل الكذوب وغيره الكثير.

الإشباع العاطفي هو أفضل ما يمكننا منحه لأطفالنا، بل ولجميع من حولنا. فالجوع العاطفي يشوه التكوين النفسي والبنيان الجسدي.

هذا ما جهرت به الدراسات التربوية المختلفة، إذ كثيرا ما نهتم بتربية أبنائنا تربية سليمة، نضمن لهم تعليما راقيا بأحدث المدارس الخاصة وربما الدولية ذات النفقات الباهظة، نهتم باشتراك النوادي الاجتماعية والرياضية مع توفير كافة مظاهر الرفاهية الحياتية والمعيشية ولا ننساهم بكافة أنواع الحلوى والألعاب، دون الاهتمام بالتربية والإشباع العاطفي، متناسين أن الحضن الدافئ والاهتمام ومشاركة الطفل كافة نشاطاته واهتماماته، أو اصطحابه إلى نزهة ترفيهية أو إجازة قصيرة تجمعه بأبويه واخوته بعيدا عن ضيق جدران المنزل والتعليمات الأبوية التربوية المهذبة لسلوكه، لها مفعول السحر في تفريغ طاقاته السلبية وشحناته التراكمية جراء التوجيه والتوبيخ والنصائح المستمرة.

الإشباع العاطفي هو أفضل ما يمكننا منحه لأطفالنا، فالجوع العاطفي يشوه التكوين النفسي والبنيان الجسدي

الحرمان العاطفي لا يقل ضررا وتأثيرا سلبيا على الطفل مقارنة بالحرمان المادي وربما يفوقه.

نحن نتاج بيئاتنا، هذه حقيقة دامغة تتأكد لنا كل يوم، تربية وعادات الطفولة التي نكتسبها منذ الصغر تظل تؤطر علاقاتنا وتعاطينا مع مشاكلنا اليومية، فخلفياتنا الأسرية وما نحصل عليه من عادات وقيم ومبادئ داخل البيت وخلال سنوات الطفولة تظل ترسم حدود ردود أفعالنا وتلقي بظلالها علينا حتى آخر العمر.

ويتردد أن أبناء الفقر والعشوائيات قد يتجهون إلى الجريمة بغرض الانتقام من المجتمع (الحقد الطبقي) لتعويض الجوع المادي وحالة الحرمان اللذين أحرقا قلوبهم وأصابهما بالقسوة.

فعلى نفس المنوال، قد يتجه المحرومون عاطفيا إلى الانتقام ممن يرون أن الحياة منحتهم الحب والدفء العائلي بسخاء ـ خاصة إن كانوا لا يعيرون ذلك اهتماما ـ فكلاهما جوع.

الحب والحنان وإظهار الاهتمام بالصغير كلها أمور كفيلة بإصلاح أي اعوجاج في شخصيته وتقويم سلوكه، فمشاعر الطفل وأحاسيسه لا تقل أهمية عن مصروفات تعليمه أو مصروفه الشخصي.

الإشباع العاطفي هو حجر الزاوية في تنشئته الأولى واللبنة الأساسية لتكوين إنسان متزن نفسيا وعاطفيا قادر على التأثير الإيجابي في محيطه الأسري والمجتمعي. ومازالت صديقتي الطبيبة النفسية تراهن على أن فشل الزواج في سنواته الأولى يرجع لخطأ في التنشئة.

الفراغ العاطفي يجعل الطفل عرضة لسيطرة بعض الكبار، وتتعاظم المشكلة خاصة إن كانوا غير أسوياء، فقد يوقعون به في شراكهم وهو أضعف ما يكون دون دعم عاطفي. وقد يجتاز فترة طفولته بسلام ظاهري، ولكن يظل الخطر يتربص به إذا ما نشأ ذا شخصية عدوانية توجه سهام عدائها ضد نفسها والآخرين.

وتؤكد صديقتي أن الفراغ العاطفي لدى الأطفال سببه التفكك الأسري بموت أحد الوالدين الإثنين، أو الطلاق مع بقاء الوالدين على قيد الحياة، ولكن ما يموت حقا هو صورة الأسرة الواحدة المتماسكة بثلاثتها معا، متمثلة في الأب الذي يمثل الداعم الحقيقي لبناء شخصية الأسرة وعنصر الأمان بها، والأم التي لا يقتصر دورها على الناحية الخدمية وتوفير الأمن الغذائي للأسرة فقط، ولكنها تعد حجر الزاوية لوجود الحب والحنان ومشاركة الصغار أحلامهم وأنشطتهم اليومية مما يرسخ الشعور بالهدوء النفسي والعاطفي، أما الأطفال فهم مصدر سعادة الأسرة بتقاسم ضحكاتهم ونجاحاتهم وطموحاتهم.

أحبوا أبناءكم وأشبعوا عواطفهم حتى لا يكونوا فريسة للخطأ.

21