حروب الأيديولوجيات في المنطقة: هل تكون بداية قيام الدولة العربية الوطنية

لا خروج من الوضعية الكارثية التي تعيشها منطقتنا دون القطع مع الأيديولوجيات التي تطرح مشاريع تضليلية لا تجسد المصالح الفعلية للمواطنين.
الثلاثاء 2018/12/11
من القومية إلى الإسلام السياسي.. المأساة واحدة

لا يمكن فصل ما شهدته وتشهده منطقتنا من صراعات وقتل وتدمير وتهجير وتغيير في طبائع الأمور، لا سيما على المستويين الديني المذهبي والقومي، وحتى على المستويين الجغرافي والديموغرافي، عن ظاهرة تصادم الأيديولوجيات التي اتُّخذت وسيلة لتعبئة الجماعات والأنصار دون إعطاء أي اعتبار للولاءات الوطنية، أو الحدود الوطنية التي أفرزتها نتائج الحرب العالمية الأولى والاتفاقيات التي سبقتها، أو أعقبتها، خاصة اتفاقية سايكس- بيكو وملاحقها المختلفة.

ونحن إذا أمعنا النظر جيدا في مسوغات هذه الأيديولوجيات في دول منطقتنا الحديثة نسبيا، نرى أنها كانت وسيلة لإسباغ قسط من المشروعية على أنظمة الحكم الجديدة التي سيطرت على الحكم عبر انقلابات عسكرية، أو نتيجة صراعات بين القوى المؤثرة، وبدعم خارجي متعدد الأشكال في غالب الأحيان. هذا ما حصل في تركيا ومصر، وحصل في سوريا والعراق وليبيا وكذلك في اليمن وإيران، وغيرها من الدول.

الأيديولوجية القومية التي اعتمدها مصطفى كمال في تركيا، واتخذ منها هوّية جديدة لتركيا، التي كانت قد استطاعت في مرحلتها العثمانية من السيطرة على مناطق واسعة شاسعة في آسيا وأفريقيا وأوروبا باسم الخلافة الإسلامية، استهدفت بالدرجة الأولى إضفاء الشرعية على حكم العسكر الذين تمكنوا بعد تفاهمات مع الدول المنتصرة في الحرب الأولى، وحتى مع روسيا، من إلغاء الخلافة، وفرض صيغة من الأيديولوجيا القومية العلمانية المتشددة، وهي الأيديولوجيا التي لم تتمكن بفعلها تركيا حتى الآن من تجاوز واقع إشكالية الهوية. ربما هذا الأمر يفسّر راهنا حالة التداخل الأيديولوجي بين ما هو ديني وقومي، وتأثير ذلك على توجهات السياسة التركية على المستويين الداخلي والإقليمي.

الأمر ذاته حصل في مصر، وذلك عام 1952 مع وصول مجموعة عسكرية بقيادة فعلية من جمال عبدالناصر، وبتغطية صورية من جانب محمد نجيب، إلى حكم البلاد، التي كانت عبر التاريخ موضوعا لصراعات دولية بين القوى العظمى في مختلف المراحل.

كانت الشعارات القومية الكبرى هي الأداة الأيديولوجية الأساسية لدفع الناس نحو تحمّل المشقات الداخلية، سواء من جهة الأوضاع المعيشية أو السياسية، وذلك من أجل أهداف أكبر وأساسية في معركة مواجهة القوى الإمبريالية وتحرير فلسطين، بموجب الماكينة الدعائية في ذلك الحين.

لكن الذي تبيّن لاحقا هو أن الأمور لم تخرج عن نطاق تعزيز دكتاتورية المجموعة الحاكمة، وهي التي توزعت في ما بعد بين جملة مراكز قوى، ظلت فاعلة في المراحل التي تلت رحيل عبدالناصر.

تقاطعات مصلحية

في الدول العربية الأخرى التي حكمها العسكر، ورفعوا شعارات قومية اشتراكية في مزج هجين لم يكن بمنأى عن الاستلهام من النازية الألمانية والفاشية الإيطالية، مع تقاطعات مصلحية مع أيديولوجيا الحليف الجديد الذي كان قد تمثّل منذ مرحلة الستينات في الاتحاد السوفييتي السابق.

اتخذت الأمور في كل من سوريا والعراق طابعا أكثر حدية، وأدت إلى نتائج دموية نتيجة الصراع بين أجنحة النظامين البعثيين المختلفة. سعى كل نظام منهما إلى فرض مشروعيته عبر إلغاء التنوع المجتمعي من جهة، وترسيخ قناعات زائفة لدى مختلف الشرائح المجتمعية عبر وسائل الإعلام، والتنظيمات الفاشية العديدة، وكانت جميعها تحت سيطرة مباشرة من جانب النظام، وخاضعة لمراقبة مستمرة من قبله، وهي مراقبة حديدية لا تسمح بأي خروج عن الخط المرسوم.

قرن كامل مضى ومنطقتنا تعيش صراعات داخلية – داخلية. صراعات تبدّد الطاقات والإمكانيات، وتكرّس الأحقاد والنزعات الانتقامية. وكل ذلك لن يساهم مطلقا في بناء المجتمعات وتأمين فرص التعليم والعمل للأجيال المقبلة في إطار خطط تنموية شاملة

ومع وصول الخميني إلى الحكم في إيران عام 1979، دخلت المنطقة مرحلة جديدة نتيجة الأيديولوجيا المذهبية التي استهدف مروّجوها توجيه أنظار الداخل الإيراني نحو نجاحات النظام في الجوار الإقليمي، وإرباك الدول المحيطة بمشكلات داخلية، وذلك بعد عجز تلك الدول عن إنجاز المشاريع الوطنية، وهذا ما مكّن النظام الإيراني من استغلال المظلومية الشيعية، التي هي في الأساس قضية مجتمعية وطنية في كل دولة من الدول المعنية، كان لا بد من التعامل معها بصورة عادلة على قاعدة الاعتراف بالخصوصية وتأمين الحقوق، ليسوّق نفسه بوصفه المرجعية الأساسية لشيعة المنطقة، بل ولشيعة العام أجمع.

ما أفسح المجال أمام الأيديولوجيات المذهبية الإيرانية هو الانهيار الكامل للأيديولوجيا القومية العربية بعد غزو نظام صدام حسين للكويت، والنتائج التي ترتبت على ذلك، وانتهت بسقوط النظام المعني في عام 2003.

هذا مع العلم أن الأيديولوجية المعنية -القومية- كانت قد تراجعت كثيرا قبل ذلك على إثر تجربة الانفصال بين سوريا ومصر عام 1961، وظهور خلافات أجنحة الحكم المصري في ذلك الحين إلى العلن. وتبيّن للناس أن الموضوع في جوهره كان موضوع سلطة ومصالح المجموعات الحاكمة، ولم يكن قط موضوع مشروع قومي متكامل. كما جاءت الخسارة الفادحة في حرب 1967 لتؤكد هلامية القدرات الفعلية لأنظمة الشعارات القومية الكبرى.

التعبئة الدينية

في يومنا هذا، نلاحظ أن الأيديولوجيا الدينية باتت هي الموجهة والمعبئة لمختلف القوى بالدرجة الأولى. لا سيما في مناخات عدم تبلور ملامح المشاريع الوطنية في دول المنطقة، وهي المشاريع التي من شأنها استقطاب أوسع القطاعات الشعبية من جميع المكونات المجتمعية.

وليس سرّا أن الأيديولوجيا الدينية الشيعية تحديدا هي المهيمنة في الساحة، فهي التي تمتلك المال والإعلام والقوة العسكرية، إلى جانب وجود خطة استراتيجية، وأخرى تكتيكية مكملة لها. وقد استغل أصحاب هذه الأيديولوجيا واقع التغاضي الدولي عن انتشارها، وامتداد أذرعها في كل من لبنان والعراق وسوريا واليمن، وتحوّلها إلى واقع ميداني في الدول المعنية.

هذا في حين أن الأيديولوجيا الدينية بوجهها السني باتت متماهية إلى حد كبير، في الوجدان الشعبي الداخلي، والرأي العام الدولي، مع الإرهاب، وذلك بفعل جهود مركزة من جانب النظام الإيراني وحلفائه من جهة، ونتيجة إخفاقات وأخطاء الحركات الإسلامية من جهة ثانية، وتفاعل كل ذلك مع حسابات دولية وإقليمية من جهة ثالثة.

ومن الواضح أنه لا خروج من الوضعية الكارثية التي تعيشها منطقتنا راهنا، وفي المستقبل المنظور، من دون القطع مع الأيديولوجيات التي تطرح مشاريع تضليلية لا تجسد المصالح الفعلية لمواطني كل دولة، بل هي في حقيقة أمرها مشاريع لتثبيت أنظمة لم تتمكّن من تحقيق الحد الأدنى من حاجات شعوبها الأساسية، هذا رغم توفر الإمكانيات المعرفية، والثروات المادية التي تعرضت لهدر لامعقول من جانب مجموعات الفساد والإفساد، سواء ضمن الأنظمة الحاكمة نفسها، أو المتشابكة معها، المشاركة لها.

عملية القطع هذه لن تكون من دون جهد تنويري عميق، واسع مركّز، يقوم به المفكرون والمثقفون الجادون استنادا إلى معرفة واقعية بجملة المشكلات التي تعاني منها مجتمعاتنا، وبناء على دراسات بحثية متحررة من أوهام المسرح والسوق والذات وغيرها. جهد يمتلك أصحابه الجرأة الكافية لتحمّل نتائج الخلاصات والمقترحات المبنية على تحديدات مشخّصة لجميع المشكلات التي نعاني منها، ومن دون أي استبعاد أو تحوير أو تطويع.

لكنّ عملا من هذا القبيل، رغم أهميته القصوى، لن يكون ناجعا ما لم يستكمل بعمل آخر على الصعيد السياسي، عمل يتمثل في امتلاك الإرادة السياسية الحكيمة المدعومة وطنيا، القادرة على اتخاذ القرارات الصعبة وتحمّل المسؤولية، وكل ذلك يستوجب الانفتاح الواسع على سائر المكونات المجتمعية من دون أي تمييز، كما يتطلب القطع مع مركبات الفساد.

خطط تنموية شاملة

قرن كامل مضى ومنطقتنا تعيش صراعات داخلية – داخلية. صراعات تبدّد الطاقات والإمكانيات، وتكرّس الأحقاد والنزعات الانتقامية. وكل ذلك لن يساهم مطلقا في بناء المجتمعات وتأمين فرص التعليم والعمل للأجيال المقبلة في إطار خطط تنموية شاملة.

والمشكلة الأساسية هنا أن الجميع على دراية تامة بالآفاق المسدودة. فتجاربنا، وتجارب غيرنا، تؤكد بوضوح أن ما يجري في واقعنا الحالي ربما يكون لصالح هذه المجموعة أو تلك من المجموعات الحاكمة على المدى القصير. لكن أصحاب التفكير البعيد النظر، من الحريصين على مستقبل شعوبهم وأوطانهم، هم على يقين كامل بأنه ما لم يتم تجاوز الحاضر بعقلية إبداعية قادرة على معالجة الأزمات والمشكلات التي نعاني منها ضمن أوطاننا، بعيدا من الأيديولوجيات العابرة للحدود، فهذا مؤداه المزيد من الخراب، والضياع، وانسداد الآفاق.

6