حروب الجيل الرابع تبدأ من المواجهة الإعلامية

الدعاية المضادة والحرب النفسية تحققان ما يعجز السلاح عن إنجازه وتأثيرهما أشد وقعا وخطورة.
الأربعاء 2020/02/12
تنفيذ أجندات قوى وتنظيمات تدير العملية الإعلامية من خلف الستار

غير العصر الحالي أساليب التعامل مع الخصوم وطرق شن الحروب، إذ باتت الحملات الإعلامية والدعائية وقدرتها على نشر الأخبار المضللة والإشاعات بهدف كسب جولات في الحرب النفسية ضد العدو طريقة حديثة للقتال وتحقيق الأهداف والأجندات سواء سياسيا أو ثقافيا أو اجتماعيا.

 يعرف الناس أن الحروب ثلاثة أنواع، لكن القليلين منا فقط من يعرفون بأن النسخة الرابعة الأخيرة منها، وهي الحرب الإعلامية، أشد بأسا وخطورة من نسخها التقليدية، فهي حرب من دون وضع أيد على الزناد وإطلاق رصاص ودوي مدافع، لكنها أشد وقعا وتأثيرا.

ومن ثم يستحيل أن ننتصر في حرب لا نعلم عنها أي شيء، ولا نملك عنها أي معلومات، ولا نعرف من يديرها؟ وبأي أسلوب يخوضها أصحابها؟ وما هي ثقافتها؟ وماذا نعرف عنها؟ ومن يقف وراءها ويديرها؟ وكيف؟ وبأي أدوات؟ فهي تخلط الشائعات بالحقائق، وتعمل على تصديق الأخبار من دون فحص وفرز.

حروب الجيل الرابع حروب من نوع جديد لها أسلوبها الخاص، وهي اليوم تحكم قبضتها علينا من جميع الجهات دون أن ندري، فهي تزودك بكل ما تريد من أخبار ومعلومات في كل دقيقة ولحظة.

وسائل جديدة

 إدراك تام لأهمية وسائل الإعلام والتواصل
 إدراك تام لأهمية وسائل الإعلام والتواصل

تقوم هذه الحرب على الدعاية والدعاية المضادة، وتتبنى استراتيجية التأثير لتغيير السلوك ونمط التفكير دون أن تعلن عن نفسها ودون أن يكون لها عنوان واضح مرئي أو تأثير مكشوف جلي، غايتها إجهاد العدو وتفكيك عناصر وحدته بتغييرات نفسية يمكن أن تمتد على مدى متوسط أو مدى بعيد، قد يكون أسابيع وشهورا أو سنوات، تقوم أدواتها على عناصر جديدة غير القوة العسكرية لكي تجنبه أهوال التدخل المباشر والروح العدائية التي تقابل بها قواته الغازية.

وأبرز أسلوب معتمد في حروب الجيل الرابع، هو استخدام نظرية الكاوس الفوضوية في الفيزياء الحديثة، قوامها تكسير النظام بالفوضى وخلق نظام جديد يخرج من رحم تلك الفوضى.

مؤدى هذه العملية تأمين انسياق الجماهير وتبعيتها المطلقة بدعاية الاستقطاب أحيانا ودعاية التدمير أحيانا أخرى، بحيث تصنف الجماهير كمجرد أرقام. يقوم تصنيفها بحسب العاطفة والجذب باللعب على الغرائز والعاطفة والإثارة، فمنها من يجذبه الخوف، ومنها من تجذبه صورة الشجاعة، ومنها من تستفزه صور الحرمان، ومنها من تجذبه مظاهر الثراء والقوة، ومن ثم تنهال المعلومات والأخبار والصور والوشايات التي تخاطب عاطفته ومشاعره بفعل تلك الهندسة الغرائزية لكي يقع في حضنها أسيرا لا يمكن أن يفك طلاسمها أو يسبح في بحر أمواجها.

والواقع، ترجع فلسفة حروب الجيل الرابع إلى الحكيم الصيني صن تزو (551 و496 قبل الميلاد) بقوله الشهير “الانتصار في المعارك ليس هو النجاح التام في المعارك التي تخوضها… النجاح التام هو أن تكسر مقاومة العدو من دون أن تخوض قتالا”.

وكانت“الحرب في نظر فون كلاوزفيتز استمرارا للسياسة بوسائل أخرى”. لكن حال الحروب اليوم في تغير دائم، فإذا كانت حرب الجيل الأول تعتمد على قوة الرجل وما يحمله من عدة وعتاد، وحرب الجيل الثاني تعتمد على قوة الحديد والنار لإحكام القبضة، فإن حرب الجيل الثالث قامت على حصار القوة العسكرية ذاتها من أجل عزلها ومحاصرتها، بحيث تشترك حروب الأجيال الثلاثة في كونها تريد تدمير قوة الخصم، وفرض الهزيمة عليه بتجريده من قوته العسكرية واحتلال الأرض وتكبيده الخسائر.

أما حروب الجيل الرابع، فهي حروب من دون مدافع، لكن تأثيرها أشد وقعا وخطورة، وبالتالي، فهي عكست هدف تدمير القوة العسكرية بتدمير القوة المدنية، وتخريب عقول المواطنين.

حروب الجيل الرابع تستخدم النظرية الفوضوية لتأمين انسياق الجماهير وتبعيتها المطلقة وذلك بدعاية الاستقطاب أحيانا ودعاية التدمير أحيانا أخرى بحيث تصنف الجماهير كمجرد أرقام باللعب على الغرائز والعاطفة والإثارة

هذه الحروب تلعب على الضغط العصبي الفردي والوعي الجمعي لكي تصل إلى نفس الأهداف بانهيار الخصم والسيطرة عليه، وهي بذلك تحرك أوتار الحس والنفس وكل نوازع التهييج والإثارة، لا نار فيها تُطلق ولا تُسال فيها دماء، تضرب هذا بذاك، وبالتالي يفقد معها الإنسان القدرة على التمييز بين من يقول الحقيقة، ومن يكذب، وصولا إلى الانهيار الشامل والشلل التام.

وهي بذلك تبدأ بحرب نفسية تستهدف تغيير السلوك وطريقة التفكير والتأثير على الجمهور إما لأغراض إيجابية وإما لأغراض سلبية إيمانا منها بأن من يكسب المعركة الإعلامية والنفسية يكسب بسهولة الحرب العسكرية.

ويقع ذلك تحت طائلة ممارسة العنف الرمزي بممارسة عنف معنوي يثير داخل نفسية المتلقي شكوكا تلو أخرى في نفسه وفي غيره، وبالتالي شكوكا في كل ما هو إيجابي مقابل التركيز على كل ما هو سلبي، وبذلك يسهل تكبيله بحاجز الخوف وعدم الثقة إذا أراد أن يعلق وأن ينتقد، خشية أن تصيبه لعنة السخرية وسيل من اللعنات والشتائم، ومن ثم يصاب بالعدمية والسلبية.

لكن هذه السلبية مدروسة بعناية، فهي مفتاح يؤدي في البداية إلى التشكيك وبعده إلى المسايرة، ومن ثم إلى عدم التفريق بين الشائعات والحقائق. ومن ثم، كانت الدعاية والدعاية المضادة ترجمة فورية للنيل من وحدة الدول وتفكيك وحدة شعوبها وانسجامها، لأن هذا النوع من حرب الجيل الرابع يعمل بالأساس على استهداف قوى الدولة السياسية والأمنية والإعلامية والاقتصادية والاجتماعية.

حرب من دون وضع اليد على الزناد وإطلاق رصاص
حرب من دون وضع اليد على الزناد وإطلاق رصاص 

فهي تبدأ بحرب نفسية وحروب شائعات تضع صوب أعينها انقسام وتشرذم مكونات المجتمع وشرائحه، وبث نار الفرقة بينها وخلط الأوراق بين مؤسسات الدولة والنيل من رموزها، وبذلك تسعى إلى وضع الدولة أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تعمد في حالة الأزمات الداخلية إلى منع المظاهرات والاحتجاجات والقيام بالاعتقالات، وبالتالي الوقوع في صدام مع المحتجين والمتظاهرين مع احتمال وقوع فوضى وصولا إلى حرب أهلية مدمرة، وإما تترك الأمر ينفلت ويصبح فوضى عارمة.

والحرب النفسية في كلتا الحالتين، تحقق لحروب الجيل الرابع الهدف الذي تنشد تحقيقه.

في السنوات الأخيرة، أول ما استهدفته حروب الجيل الرابع في العالم هو النيل من الأمن القومي واستقرار الدول، حيث تفوقت وسائلها في استهداف شرعية الحاكم مرورا بالمؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية للدولة.

 كما شملت النيل من الأحزاب والنقابات، وبث حالة من الشك في مصداقية مؤسسات الثقافة والصحة والرياضة، ما يؤدي في النهاية إلى النيل من المؤسسات الرمزية والدينية بدورها لكي يسهل التدريج في بث الفتنة والطائفية والشوفينية والصدامات العرقية والمذهبية واللغوية والفئوية بين الأفراد وبينهم وبين الدولة، وبالتالي التأليب عليها ونزع الشرعية عنها، فيحدث الشلل والانهيار المطلوبان دون تدخل عسكري مباشر، وهو ما يؤكده الخبير الاستراتيجي الأميركي مانوارينج ماكس بقوله “عدوك سيستيقظ ميتا”، وأنت لم تطلق رصاصة واحدة.

حروب بالوكالة

تركيز تام على توقيت بث الخبر
تركيز تام على توقيت بث الخبر 

هذه الحروب أشد وقعا وقد تؤدي تبعاتها إلى هدم صرح دول وتدمير مؤسساتها الأساسية، سياسيا وأمنيا واقتصاديا واجتماعيا. فهي تشتت الأفكار وتتلاعب بعواطفنا ومطالبنا على حد سواء، تجعل خصمها يستسلم صاغرا لها بسهولة، وأحيانا كثيرة دون مقاومة، تعرف متى تثير النعرات والرغبات.

وهي قادرة على تقييد حركة العقل، وتشتيت الانتباه عن القضية الأساسية، بل وتذهب بالفرد أحيانا في جميع الاتجاهات لما لها من قدرة على تشتيت التركيز من جهة، أو تدفع دفعا إلى الفعل ورد الفعل في مداهما الأقصى من تخريب وفوضى من جهة أخرى.

في هذا الإطار، قامت هذه الفلسفة على تسخير وسائل غير الوسائل العسكرية، فالمهاجم والمعتدي اليوم في مجال العلاقات الدولية يلجأ أولا إلى الحروب بالوكالة من داخل الدول التي يستهدفها، مستندا على وكلاء محليين يستهدفهم بعناية بناء على مشاكل عرقية أو عقدية أو إثنية أو لغوية.

ضرب الوحدة

أبلغ درس في هذا الباب، ما قامت به إيران في العراق عندما استهدفت مناعة الجسم العراقي الداخلي، وتخريب وحدته الداخلية، فاتجهت لإشعال حرب مذهبية بين السنة والشيعة، والكل يتذكر كيف تم النيل من وحدة الجيش العراقي، فسهلت هزيمته بشكل منقطع النظير، ثم تم التمهيد بعد حل هذا الجيش لحرب أخرى، حرب أهلية أججتها إيران بين الشيعة والسنة العراقيين لكي تبدأ حرب داخلية أخرى تخدم التوسع والنفوذ الإيرانيين، وتنفذها بيد مباشرة الميليشيات التابعة للحرس الثوري الإيراني.

وكان اليمن كذلك مسرحا آخر لهذه المواجهة، حيث تم استغلال الاصطفاف القبلي على أشده في الجيش، وسهل تقسيمه بين من يدعم الشرعية ومن يدعم الحوثيين. ثم قام الإخوان المسلمون بتأجيج الصراع في اليمن بتحولهم إلى ميليشيات تخدم بعض المحاور الإقليمية، حيث كانت الجماعة متغلغلة في أجهزة الدولة، وفي مؤسسة الجيش على وجه الخصوص.

كما شكلت فتاواهم التكفيرية ذريعة للنيل من الجنوبيين وقاموا بعمليات ابتزاز كبيرة باستعمالهم عناصر من تنظيم القاعدة في هذه العملية، ولطالما قام الكثير من نشطائهم بالدعوة ضد الشرعية، وإلى المصالحة بين الحوثيين وجماعة الإخوان، بالإضافة إلى النيل من سمعة ومصداقية التحالف العربي. كما أن الوضع في ليبيا، استهدف بدوره أول ما استهدف النيل من مصداقية الجيش الليبي الوطني.

ومن ثم يبدو أن أول مداخل حرب الجيل الرابع، هو تلك الحرب النفسية التي تستهدف الجيش الليبي وتحييده عن قضيته الأساسية ودوره في توحيد البلاد وتأمين حدودها.

أبرز حرب تخاض بالوكالة في العالم العربي من طرف العديد من القوى الأجنبية، هي حرب بث الأفكار المتشددة والتطرف الديني، وهي ظاهرة اختلط فيها الحابل بالنابل من قوى تسهر على تمويل جماعات وتنظيمات من خلف ستار، وترعاها أجهزة استخبارية إقليمية ودولية، لا تتورع في استخدامها تحقيقا لمصالحها بضرب استقرار ومصالح الدول المستهدفة.

ونذكر كيف تمت عملية إدخال تنظيمات أجنبية متطرفة إلى داخل سوريا، وسيرورة تنظيم داعش وفروعه في العراق وسوريا وليبيا وشبه جزيرة سيناء إذا تأملنا ما تقوم به جيدا تنظيمات النصرة وأحرار الشام وأنصار الشريعة وأنصار بيت المقدس وسرايا الدفاع في ليبيا وغيرها.

نظرية المؤامرة

حروب الجيل الرابع تأثيرها أشد وقعا وخطورة
حروب الجيل الرابع تأثيرها أشد وقعا وخطورة

 أخطر العناصر في حروب الجيل الرابع هي الحروب النفسية والشائعات وتصريف نظرية المؤامرة للتأثير في العقول والمشاعر، وهذه الحروب تشن على مدار الساعة مدعومة بأخبار وتسريبات وفيديوهات تهدف إلى خلق الإثارة والغضب، فضلا عن القيام بدعاية سوداء تمس المفكرين والصحافيين والعلماء، فهي تسعى بذلك إلى اغتيال العقل العربي، فتصور الحرية فوضى والتعدد شرا والوسطية نفاقا.

وبالتالي فهي تستهدف تحطيم الجدار الرمزي والمعنوي الذي يمنح التفاؤل بالحياة وإبقاء جذوة الأمل حية لدى الشعوب العربية، ما يكشف كيف تغيرت خطة العمل وشكل الاستهداف لا لكي يشمل فقط خيرات العالم العربي ومقدراته الاقتصادية والسياسية، بل يستهدف احتلال العقول والعبث بها.

وبذلك، أصبح دبيب نشر الشائعات أسلوبا يثير ضجيجا في الصحف والمواقع والفضائيات، وهو يماثل في ضرره تدمير دوي المدافع والقنابل.

وتهدف الحروب التي تخاض بجيوش إلكترونية مختصة في الدعاية المضادة إلى تحطيم ثقة الفرد بنفسه ومحيطه، والنيل من الثقافة والحضارة العربيتين والإسلاميتين من المحيط إلى الخليج. مؤدى هذا النزوع هو اختيار الفوضى كمحرك استراتيجي، الهدف منه خلق الانطباع بأن الإصلاح سبيله متعثر وأن الاجتهاد مستحيل. وبالتالي تأمين الاستسلام لمشيئة الكبار.

تعمل حروب الجيل الرابع بشكل دائري حول الهدف، فهي لا تستهدف الشخص والمجتمع وقيمه بشكل مباشر، فهو إن استشعر ذلك تحرك للدفاع عنها تلقائيا، لأنه من دونها يتجرد من هويته وقيمه العليا.

لكن في الحرب النفسية والشائعات، فأول ما يتم مخاطبته هو العاطفة ويتم ذلك بأقل الكلمات، وباستعمال الصورة، لذلك يمكن تصوير حفل على أنه اعتداء على الدين.

وهي غالبا ما تعتمد التهويل والتشويه بإضافة معلومة كاذبة لخبر صحيح، أو تفسير حدث بأسلوب غير صحيح. وهذه العملية تحتاج إلى جهد مضاعف لكشف التضليل، وبالتالي يضطر المتلقي إلى السكوت مسايرا عقلية القطيع، إذ غالبا ما توضع هذه الأخبار والمعلومات بعناية بالغة لكي تحيط بالناس من كل جانب، فتمرر دون أن يدركوا كيفية تصادفها في صفحات العديد من المواقع وشبكات التواصل الاجتماعي في كل دقيقة ولحظة.

12