حروب الطواويس

الأحد 2016/09/25

حين يغضب الله على أحد، شخصا كان أو حزبا أو حكومة، يصيبه بلوثة جنون العظمة، ويُدخل في عقله وقلبه الغطرسة وغرور القوة، لتحلّ عليه اللعنة، ويبدأ مسيرة السقوط الآتية على الطريق. ويبدو أن الطواويس الإيرانية التي لا تتوقف عن نفش ريشها على البلاد والعباد قد أصابتها اللوثة القاتلة التي سقط بها جبابرة، وانتهت بها ممالك، واختفت أمم، عبر التاريخ الطويل.

ومن يتابع تصريحات كبارهم وصغارهم، وهم يفاخرون بأن العراق ولبنان وسوريا واليمن وأفغانستان أصبحت ممتلكات مضافة إلى دولتهم الفارسية العظمى، يدرك هذه الحقيقة دون ريب. من بين هؤلاء المتحدثين قائد الحرس الثوري الأسبق، محسن رضائي، الذي أكد خلال حوار مع صحيفة أميركية، تدخلات بلاده في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، بقوله إن إيران “لن تتخلى عن سوريا والبحرين واليمن”. ويفاخر بـ”جاهزية قوات الحرس الثوري لحرب جديدة” في المنطقة.

ومن هؤلاء، أيضا، وربما أهمهم، قاسم سليماني الذي أعلن مؤخرا أن “تاريخ إيران لم يشهد في جميع مراحله مثل تأثيرها الحاصل الآن في العالم،” وتساءل “إذا كنا في عزلة فلماذا تُصرّ جميع الدول على إقامة علاقات مع إيران؟”. وأشار إلى “المساعي التي تُبذل من أجل تغيير وجهات النظر في العديد من البلدان، كالعراق وأفغانستان، غير أن جميع القلوب متجهة نحو إيران”.

ومنهم، أيضا، قائد بحرية الحرس الثوري الإيراني الأدميرال علي فدوي الذي أعلن أن “أميركا غير قادرة على مواجهة القوة العسكرية الإيرانية، سواء في الجوّ أو البرّ أو البحر”، وأن “إيران سَلبت من واشنطن قوتها في المنطقة، وبالتالي فهي عاجزة عن خوض أيّ مواجهة عسكرية معنا”.

وأيضا، قائد أركان القوات المسلحة الإيرانية اللواء محمد باقري الذي أعلن أن بلاده توظف خبراتها العسكرية التي اكتسبتها من حرب الخليج الأولى، في خمس دول عربية، وهي اليمن وسوريا والعراق ولبنان وفلسطين. وأكد أن “إيران تعمل حاليا على تقوية نفوذها في دول محور المقاومة”.

وخلال العرض العسكري السنوي للقوات المسلحة بمناسبة الذكرى الـ36 لانطلاق الحرب الإيرانية-العراقية (1980-1988) في طهران، كرر قائد الأركان الإيرانية وقادة آخرون تهديدات عسكرية ضد دول المنطقة، وضد القوات الأميركية المتواجدة في الخليج، حسبما نقلته وكالة الأنباء الإيرانية.

علّمنا التاريخ البشري الطويل أن القويّ غير الضعيف، والشجاع غير الجبان، والمطمئنّ غير الخائف، لا يتبجح ولا يباهي. ولو جمعنا خيوط هذا الغرور لوجدنا أنها تتركز على نفوذ إيراني متفاوت الدرجات في العراق وسوريا واليمن وفلسطين وأفغانستان والبحرين وبعض دول الخليج الأخرى.

لا نجد لإيران ما يدعيه قادتها العسكريون الكبار من وجود راسخ ومستقر وثابت في أيٍّ من هذه البلدان. بل إن كل ما تمكنت إيران من زراعته فيها مجرد قلاقل ومناوشات ومؤامرات ومحاولات هيمنة تقابلها قوى محلية وخارجية عديدة تتحدى قوتها، وتقتل جنرالاتها وجنودها وعملاءها ووكلاءها المحليين، قَضمة قضمة، وعلى مهل، لإبقاء النار تحتها وحولها موقدة على الدوام ولا تنطفئ.

في اليمن، مثلا، لا يُنكر غير المكابرين المغالطين أن القوى المتآلفة ضد الوجود الإيراني، عربية وغير عربية، تحاصر طابورها الخامس الحوثي بين مطارق الخارج وسنادين الداخل، ولم تنفعه الممنوعات الإيرانية المُهرّبة التي لا يصل قليلها إليه إلا بشق الأنفس، ويُفتضح كثيره فيصادر وتذهب أموال الولي الفقيه وأسلحته هباء في هباء.

أما في سوريا فلا يقلّ وجع الرأس الإيراني عن وجعه في العراق والبحرين والسعودية والكويت. ولسنا من يقول ذلك، بل الجنرال يحيى رحيم صفوي، المستشار العسكري لعلي خامنئي الذي حذّر علنا من أن “هناك اتفاقا أميركيا-روسيا يجري تحت الطاولة بشأن سوريا يتجاهل مصالح إيران”.

وأكد في برنامج تلفزيوني مؤخرا أن “إيران تخشى أن يخدعها الأميركيون والروس في هذا الاتفاق، بما يحقق المصالح الأميركية، ويتجاهل مصالحها في سوريا”.

ويعرف المراقب السياسي والعسكري القريب والبعيد أن عمى البصر والبصيرة الإيراني جعل سوريا ورقة يلاعب بها بوتين نظراءه الكبار على طاولة القمار التي ليس لإيران حولها سوى مقعد المتفرجين الزائرين.

وبعبارة أخرى، إن إيران تزرع في سوريا وروسيا وأميركا تحصدان. فهي التي تنفق أموالها، وتهدر دماءَ أبنائها ووكلائها، (حزب الله وميليشات فريقها العراقي الحاكم في العراق)، ثم تُحكم روسيا قبضتها على رقبة النظام السوري ورقاب حلفائه.

لو كانت إيران الوليّ الفقيه حققت أمجادها التي يباهي بها قادتها الكبار بأذرع (مجاهديها)، وعبقريات ساستها، وجبروت اقتصادها، لحق لهذه الطواويس أن تنفش ريشها على الآخرين. ولكن حين نستعرض حوادث الزمن الرديء الذي أتاح لإيران أن تتسلل هنا وهناك نجد أن ما تتباهى به اليوم ليس سوى مجد هش لا يملك جذورا حقيقية في الأرض وهبته لها مخططات خارجية خبيثة وظروف محلية قاهرة مواتية، وسوف تذروه الرياح فقط حين تتغير المصالح المتقلبة لتلك القوى، وحين تستعيد الشعوب المستضعفة وعيها وقوتها. وليس ذلك بغريب ولا ببعيد.

وسيكون قادة النظام الإيراني قد جنّوا، أو عميت عقولهم وقلوبهم، وخانتهم قدرتهم على الإبصار إذا ما توهموا أن البلاد التي تمكنوا من أن يتسللوا إليها، وخربوا حياتها، وعطلوا جيوشها، وأقلقوا أمنها، وأفسدوا اقتصادها، وأهانوا شعوبها، ستبقى ذليلة مستسلمة، ويَبقوْن هم، وحدَهم، مالكين أرضَها وماءها وهواءها.

أول من تنبّه لهذه الحقيقة الجارحة هو أحد كبار الخمينيين، هاشمي رفسنجاني، حيث قال في كلمة له نشرها موقعه الرسمي “إن الجيش والقوات العسكرية تحتاجان إلى نفقات مالية كبيرة، وفي حال اندلاع الحرب تحتاج إلى نفقات هائلة للغاية، ولهذا اتجهت بلدان عدة، وفي مقدمتها ألمانيا واليابان، إلى إنفاق الأموال على العلم والإنتاج والتطور”.

وكانت دراسة تتعلق بالميزانية الدفاعية الإيرانية نشرت في أبريل الماضي أوضحت أن إيران تنفق سنويا نحو 6.3 مليار دولار لتطوير قدراتها العسكرية، يخصص 34 بالمئة منها لوزارة الدفاع و65 بالمئة ينفق على الحرس الثوري.

وعبّر محمود علوي، وزير المخابرات الإيراني، عن مخاوفه من تزايد قدرات التنظيمات المسلحة التابعة للشعوب الإيرانية غير الفارسية الباحثة عن تخلصها من نير النظام، وخصوصا الحركات التي تنتهج “الكفاح المسلح”، زاعما أن هذه القدرات هي نتيجة تمويل حلف مخابراتي يعمل ضد “الجمهورية الإسلامية” على حد قوله.

وصرح رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني مصطفى هيرجي، عقب وصوله إلى أربيل في كردستان العراق، بأن طهران لا تقل خطرا عن ذلك الذي يمثله داعش على المنطقة والعراق، داعيا إلى أخذ خطرها بجدية. وقال في مؤتمر صحافي عقده في أربيل “القوة فقط هي التي ستُجبر طهران على منح الأقليات حقوقها، في إيران”.

كما وصف إيران خلال المؤتمر، بأنها “داعش الشيعية، بل أكثر خطرا من داعش السنية التي تهاجم وتدمر علنا، لكون إيران تقترب منك كصديق لكي تعمد إلى تدميرك”.

وفي باريس أعلنت زعيمة المعارضة الإيرانية مريم رجوي، أن “نظام ولاية الفقيه يتستر على فشله بدعم مجازر بشار الأسد”، وقالت إن “عمليات الإعدام والاعتقال التي تحصل في إيران هي الأكبر منذ الثورة”، وأن “سقوط نظام ولاية الفقيه هو الحل الوحيد لإخراج إيران من واقعها المتردي”.

والأهم من كل ذلك أن أحدث تقرير أعلنه مساعد وزارة الصحة الإيرانية علي أكبر سياري يؤكد “أنه في الوقت الحاضر هناك 30 بالمئة من الإيرانيين جياع، ولا يملكون خبزا يابسا يأكلونه”. واعتبر “أن مواجهة غياب المساواة يشكل الخطوة الأولى في التصدي للتهديدات التي يواجهها المجتمع الإيراني”. وقال “إن 25 بالمئة من التركيبة السكانية في المدن تعاني من التهميش، وإن عشرة ملايين و200 ألف إيراني يعيشون تحت خط الفقر”.

وقد لاقت تصريحات علي أكبر سياري ردود أفعال غاضبة بين الإيرانيين على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث ربط أغلبهم بين ما تقوم به السلطات الإيرانية من دعم للجماعات المسلحة وإرسال السلاح ورعاية الميليشيات وبين تأخر وعود السلطة بتحسين الأوضاع الداخلية الاقتصادية، وتراجع مؤشرات الوضع المعيشي في إيران.

وفي أبريل الماضي قال رئيس لجنة الإمداد الإيراني حسن موسوي “نموّ التهديدات الاجتماعية بين النساء والأطفال يُظهر تراجعا في أعمار مرتكبي الجرائم”.

وتتزايد، يوما بعد يوم، انتقادات منظمات المجتمع المدني للحكومة التي تستثمر موارد البلاد في حروب خارج الأراضي الإيرانية، ودعم الجماعات الموالية، بدعوى أنها عامل ثبات في المنطقة، في حين ترفض الاعتراف بحقيقة التهديدات الاجتماعية.

فهل بعد كل هذا يحق لأيّ طاووس إيراني، كبير أو صغير، معمّم أو غير معمم، أن ينفش ريشه علينا، ولا يحسب حساب العواصف الآتية؟

كاتب عراقي

5