حروب العثمانيين المتكررة تعجز عن كسر تمسك الإيزيديين بمعتقداتهم

الباحث أحمد سينو أبرز الجوانب الحضارية للكرد الأيزيديين كاشفا أهم الأحداث السياسية التي طالتهم في الفترة العثمانية والحملات العسكرية ضدهم.
الخميس 2019/11/07
متمسكون بجوهر عقيدتهم وموروثهم الاجتماعي والثقافي

لم تكن جرائم تنظيم “داعش” ضد الإيزيديين، هي الأولى في تاريخ هذه الأقلية الدينية في بلاد الرافدين، فقد سبقه ولاة الدولة العثمانية، الذين سفكوا دماءهم، ونهبوا أموالهم. في كتابه “الأكراد الأيزيديون في العهد العثماني” يتناول الباحث أحمد سينو الفترة الممتدة بين القرن 16 للميلاد وإلى غاية الحرب العالمية الأولى، وهو يقدم صورة تاريخية شاملة للأكراد الإيزيديين وما تعرضوا له من حروب متكررة في العهد العثماني.

لم يول موضوع الكرد الإيزيديين الاهتمام المطلوب من قبل الدارسين، كما لم تقدم دراسات حقيقية عن أوضاعهم، ولاسيما في بلاد الرافدين بشكل شامل ما يعزز أهمية الدراسة الطويلة التي يقدّمها الباحث أحمد سينو “الأكراد الأيزيديون في العهد العثماني”، باعتبارها تقدّم رؤية شاملة عن حياة فرقة الإيزيدية التي لا يعتبرها فرقة إسلامية، بل ديانة مستقلة قائمة بذاتها، تعود جذورها إلى المثرائية والزرادشتية، رغم بعض المؤثرات من الأديان الأخرى، ويتضح ذلك من خلال دراسة النصوص الدينية الواردة في كتبهم المقدسة وصلاتهم المتجهة إلى الشمس في كل الأوقات، وطقوسهم الدينية وأعيادهم.

ويشير سينو إلى أنه رغم الحملات العسكرية العثمانية المتكررة على مناطق الكرد الإيزيديين في الشيخان وسنجار وغيرها من المناطق الأخرى، إلا أنها لم تستطع القضاء عليهم، لإصرارهم على التمسك بمعتقداتهم، وتمكّنهم من المقاومة بشكل مستمر من خلال اللجوء إلى جبل سنجار، الذي كان دائما الملاذ الآمن. مع أن الدولة العثمانية، استطاعت إلحاق أضرار بالغة بهم، اقتصاديا وبشريا نتيجة وحشية الهجوم عليهم.

ويرى سينو في دراسته، الصادرة عن دار الزمان أن أضرارا اقتصادية وبشرية كبيرة لحقت ببلاد الرافدين وكردستان جرّاء الحروب الإقليمية بين الدولتين العثمانية والصفوية، خاصة مناطق بغداد والموصل في عهد كل من السلطان مراد الرابع ونادر شاه وغيرهما من قادة الدولتين وصراعهما المستمر للهيمنة على بلاد الرافدين، لم يكن الكرد الإيزيديون بمنأى عن ذلك.

أهمية الكتاب تكمن في تقديمه رؤية شاملة عن الإيزيدية التي لا تعتبر فرقة إسلامية، بل ديانة مستقلة قائمة بذاتها، تعود جذورها إلى المثرائية والزرادشتية، مع بعض المؤثرات من الأديان الأخرى
أهمية الكتاب تكمن في تقديمه رؤية شاملة عن الإيزيدية التي لا تعتبر فرقة إسلامية، بل ديانة مستقلة قائمة بذاتها، تعود جذورها إلى المثرائية والزرادشتية، مع بعض المؤثرات من الأديان الأخرى

ويلاحظ أن أوضاع الإيزيدية لم تتحسن طيلة الفترة العثمانية، رغم المحاولات المتكررة لإعفائهم من الخدمة العسكرية لأسباب تتعلق بمعتقداتهم، وما رافقها من رفع للعرائض إلى الباب العالي وتدخل أو توسط بعض سفراء الدول الأجنبية، إثر قيام الدولة العثمانية ببعض الإصلاحات وإصدار قوانين كقانون شريف كلخانه، لأنها كانت تفسر وتطبق على الإيزيدية بطريقة سلبية على أيدي ولاّة بغداد والموصل. ويشير سينو إلى أن الكرد الإيزيديين تميّزوا بأفضل العلاقات مع بعض العرب والأرمن والسريان والآشوريين، واتضح ذلك من خلال قيام الإيزيديين بحماية المسيحيين الأرمن والآشوريين من حملات الإبادة التي كانت تشنها الدولة العثمانية، قبيل الحرب العالمية الأولى وخلالها.

يتناول سينو بالبحث والدراسة “الأكراد الأيزيديون في العهد العثماني” في الفترة الواقعة بين مطلع القرن الـ16 الميلادي، وقيام الحرب العالمية الأولى أي ما بين عامي 1514 – 1914 كدراسة تاريخية تحليلية تشمل الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وتضم الدراسة خمسة فصول، يعالج الفصل الأول إشكالية التسمية وأماكن التوزع الجغرافي لهذه الطائفة في بلاد الرافدين وسوريا امتدادا من منطقة الشيخان وسنجار وبعض قرى الموصل، وصولا إلى محافظة الحسكة وقرى حلب الشمالية، وفي ديار بكر وماردين والقفقاس وغيرها.

 ويتقصى في الفصل الثاني الحياة السياسية للكرد الإيزيديين وعلاقتهم مع المحيط المجاور، كاشفا أهم الأحداث السياسية التي طالتهم في الفترة العثمانية بين عامي 1514 إلى غاية 1914، متناولا الوضع الدولي العام في الفترة المذكورة الذي تجلى فيها الصراع الاستعماري بأقوى أشكاله.

ويسلّط من خلال هذا الفصل الضوء على الصراع العثماني الصفوي على بلاد الرافدين، وبيان أثره على السكان، خاصة الكرد الإيزيديين، لأنه بانتصار سليم الأول في معركة جالديران عام 1514 ثم معركة قوج حصار 1516 صارت معظم مناطق الكرد والكرد الإيزيديين في حوزة الدولة العثمانية، التي اعترفت بالزعامات المحلية الكردية والإيزيدية.

ويرى سينو أن “موقف الدولة العثمانية من الكرد الإيزيديين، والتي كانت حسنة أول أمرها، في عهد سليم الأول وسليمان القانوني ومراد الرابع، طرأ عليها تغير جذري اتسم بالتوتر والعداوة بين الطرفين إثر تجريد الحملات العسكرية عليهم عبر ولاّة بغداد والموصل تارة على سنجار وأخرى على مركزهم في الشيخان”.

تراث

ويبسط الكاتب في الفصل الثالث المعتقدات الدينية عند الكرد الإيزيديين في محاولة منه لتسليط الضوء على الإشكاليات، التي لامست أو تلبست عقيدتهم الدينية، مبتدأ بحركة الأديان القديمة في بلاد الرافدين وفارس، اللتين شكلتا المنبعين الأساس للفكر الديني في المنطقة عبر الآلهة السومرية وتراتيلها وملامحها.

وتناول أهمية وقدسية “لالش” النوراني، الذي يعد أهم مركز ديني ومحج عند الإيزيديين، إلى جانب تبيان بعض النماذج لأهم الأقوال والأدعية الدينية الشفوية التي تسمى عندهم “بعلم الصدر”، كما تم التطرق إلى أهم طقوس وعبادة الإيزيدية من الصلاة والصيام والتعميد وحالات الموت والدفن ومراتب رجال الدين إلى جانب مقدسات أخرى.

وتطرّق في الفصل الرابع لـ”الحياة الاجتماعية والثقافية للكرد الإيزيديين”، مبرزا سمات الوضع الاجتماعي العام في بلاد الرافدين والتراتبية الاجتماعية المتعلقة بالامتيازات الإدارية وملكية الأراضي، وظهور الإقطاعيين أصحاب ألقاب البك والبكلربك والباشا وغيرها.

وختم سينو بتناول الحياة الاقتصادية عند الكرد الإيزيديين، متطرّقا للزراعة وأهم المحاصيل الزراعية، ليتوقف عند الصناعة وأهم الحرف اليدوية التي لم تخرج عند الإيزيديين من إطار الاكتفاء الذاتي، لانغلاق الاقتصاد العثماني على السوق الخارجي. كاشفا موقف الإيزيديين من التجارة والأعمال التجارية، والتي لم يكونوا يرغبون بها لأسباب تتعلق بعقيدتهم الدينية وموقف بقية الأقوام الأخرى، للاعتقاد الخاطئ بهم على أساس أنهم عبدة الشيطان.

أكراد

 

13