حروب العراق المزورة

الثلاثاء 2014/04/29

على حدود بغداد يقف مقاتلو داعش الآن. هذا ما تقوله المصادر الرسمية العراقية. قبل وقت قصير كانت الجماعة الإسلاموية المتشددة قد نجحت في قطع المياه عن العاصمة العراقية وعدد من المحافظات الأخرى. لجأت الحكومة يومها إلى وساطات عشائرية من أجل أن يتراجع الغرباء عن قرارهم.

كانت مدن الغرب مهددة بالغرق بسبب المياه التي انحصرت في السدود. الآن أجزاء كبيرة من محيط بغداد تعاني من الفيضان، فيما العاصمة العراقية تعاني من شح المياه الصالحة للاستعمال. هناك بقعة نفطية سببت حرائق هائلة في دجلة كانت السبب في ذلك.

ولم تكن تلك البقعة لتتسرب إلى مياه النهر الخالد لولا أن داعش قد قام في وقت سابق بتفجير أنبوب نفطي يمر قريبا من مجرى النهر. وما حرب المياه التي يشنها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام إلا جزءا من مخطط استراتيجي يهدف إلى إسقاط العاصمة، كما تقول السلطة.

قبل الانتخابات البرلمانية بأيام هناك من يردد “إنهم قادمون”، أما حرب المالكي التي قيل إنها استباقية فقد انتهت كما يبدو إلى الفشل.

فما من بيانات ولا تصريحات حكومية عن تلك الحرب التي كان المالكي يشـرف عليها بنفسه. لا أحد يعرف إلى أي مـدى صـار المسلحون الأجانب يتحكمون في مصيـر العراقيين المقيمين في مـدن الغرب. لم يعد مهما ما يجري في الفلوجة مثلا والتي قيل أنها كانت ولا تزال معقل أولئك المسلحين. فهل عاد مئات الألـوف من سكانها المهجرين إلى بيوتهم؟ هل انتمى الجميـع إلى داعش؟

تصمت الأخبار في ظل ارتفاع درجات الحمى الانتخابية. سيذهب الناخبون إلى صناديق الاقتراع وليس في ما تبقى من خيالهـم المشتـت إلا السحـب السـوداء القادمـة من الرقة السورية. سيكون علينا مؤقتا أن نعترف بأن تلك المحافظة السورية قد صارت ولاية داعشية. فهل يرضى العراقيون بأن تكون عاصمة الرشيد رقة ثانية؟

لقد أقام مرشحو الانتخابات البرلمانية موائد الطعام المفتوحة من أجل ضمـان كسب الأصوات. سلوك بدائي ومتخلف يشير إلى حقيقة أن نواب المستقبـل يدركـون أن هناك في العراق جوعا أبديا. إنهـم يستذكـرون بيت السياب الشهيـر «ما مر عام والعراق ليس فيه جوع». نواب الشعب العراقي يراهنون عل صدق المقولة السيابية.

فالعراق الذي تغطي ميزانيته السنوية حاجات سكان ثلاث دول بحجمـه، لا يـزال ثلث سكانه واقعا تحت خط الفقر. وما من حـل في ظل نظام سياسي فاسد، لم يعد رهينـا بوجــود فـرد بعينـه في السلطة بعد أن تحول إلى أسلوب حياة.

في ظل مـا يعانيه العراقيون من فقر وجوع وعزل وبطالة وحرمان ورخص أخلاقي وتجهيل وقمع ديني فإن الوعود الانتخابيـة صارت بمثابة بالونـات ما أن تُنفخ حتى تنفجر وسط سخرية العامة من الناس.

لهذا لم يكن هناك بد من إشاعة الخوف بين صفوف الفقراء. وهكذا صار الخوف من الغرباء القادمين واقعا.

ألا يقف مقاتلو داعش على أبواب بغداد؟ ألم يعش العراقيون بأنفسهم تجربة سطوة ذلك التنظيم حين حرمهم من المياه؟ ألا يزال هناك شك في أن الخطر الذي كان مرجئا إلى هذه اللحظة بسبب صلابة المالكي وشركائه في الدفاع عن المذهب سيقع إن اختفوا من المشهد؟

داعش ليس دعاية انتخابية، بل هي أكبر من ذلك. إنها الفزاعة التي ترهب العراقيين وتجعلهم يرضون بالسيء مخافة أن يقبل الاسوأ. وإن لم يكن هناك داعش فسيكون على سياسيي العراق اختراع جماعـة إرهابيـة جديـدة مستعينـين بالشـركات الأمنـية العالمية التي وضعـت العـراق منـذ عام 2003 في مركز دائرة اهتمامها.

ما لا يمكن أن يتفهمه العراقيون وقد دمر العنف قدرتهم على التخيل والتفكير السوي أن جزءا كبيرا من حروبهم كان مزورا.


كاتب عراقي

8