حروب العصر الافتراضي تغير مفاهيم القوة والتوازنات العالمية

الاثنين 2017/04/17
مفاهيم حديثة أنتجتها التكنولوجيا مثل الحروب الإلكترونية

أبوظبي - تتمتع التكنولوجيات الجديدة في الواقع الراهن بأهمية كبرى نظرا لقدرتها على بلورة مفهوم جديد للقوة والتأثير والقدرة على توجيه السياسات العالمية في عصر الإنترنت والشبكات الافتراضية العملاقة، التي تحولت إلى ساحات صراعات تتقاطع عبرها المصالح والأجندات الضخمة للأفراد والدول.

وغيرت هذه التحولات التكنولوجية الدقيقة من تفاصيل الحياة اليومية وأدخلت ثورة رقمية متسارعة الإيقاع والتفاصيل خاصة مع سهولة استخدامها وانخفاض تكلفتها ما يجعلها في متناول الجميع وإن بمستويات متفاوتة وهو ما أدى إلى انتشارها وتوسع أدوارها في الحياة البشرية.

وتتحكم اليوم ثنائيات من الآحاد والأصفار المتناهية الصغر في حركة العالم وتدير شبكات من ملايين النظم والبرامج والتطبيقات وهو ما يبين أهمية وخطورة القدرة على امتلاك آليات توظيف هذه البيئة الإلكترونية واستغلالها وتكييفها وفق المصالح والأهداف وبما ينعكس على الملايين من الأشخاص من المتفاعلين والمتلقين.

وينطلق الباحث إيهاب خليفة رئيس وحدة التطورات التكنولوجية بمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة من هذه المعطيات في محاولة لدراسة أشكال التأثيرات التي أحدثتها ثورة الشبكات الرقمية والإنترنت ضمن كتابه “القوة الإلكترونية.. كيف يمكن أن تدير الدول شؤونها في عصر الإنترنت” محللا أبعاد القوة الجديدة التي أحدثتها الثورة التكنولوجية، والتي غيرت من الأشكال التقليدية للقوة، وأدخلت مفاهيم جديدة لم تكن موجودة من قبل، وهي القوة الإلكترونية، وأصبحت إحدى أهم أدوات تحقيق السياسات الخارجية للدول، والداخلية أيضا وذلك بالتوازي مع الأشكال التقليدية للقوة، سواء كانت الصلبة أو الناعمة.

ويشدد الباحث ضمن مقاربته للمسألة على رؤيته إلى القوة الإلكترونية، وتعريفها بكونها “قدرة الفاعل، سواء كان دولة أو فاعلين مثل الحركات الإرهابية والتنظيمات الإجرامية والأفراد وغيرهم، على استخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة والاتصالات لتحقيق أهداف معينة عبر شبكات الكمبيوتر والإنترنت، والتي قد تشمل سرقة البيانات المهمة أو تدميرها أو تعديلها أو إغلاق نظم إلكترونية أو إعادة ضبطها، والتحكم بها سواء كانت هذه النظم مدنية أو عسكرية، شخصية أوعامة”.

وتحاول مقاربة خليفة الغوص في عمق مفاهيم الحروب الافتراضية والتي تتنوع تسمياتها وأنماطها من الجرائم الإلكترونية التي تشمل سرقة المعطيات الشخصية وإعادة نشرها دون إذن واستغلالها بشكل غير قانوني إلى القرصنة الإلكترونية والاختراق الأمني ولاستخباراتي.

عبر أدوات تقنية بسيطة لا تتجاوز كمبيوترا ذا قدرات تشغيلية وتقنية جيدة مرتبط بشبكة الإنترنت أصبح بإمكان أي من مستخدمي الفضاء الإلكتروني أن يوقع خسائر فادحة بالطرف الآخر، وأن يتسبب في شل البنية المعلوماتية والاتصالية الخاصة به، كما يمكن أن يسبب خسائر مادية واقتصادية كبيرة من خلال التلاعب بالبيانات الاقتصادية والمالية وتزييفها أو مسحها من أجهزة الكمبيوترات وكذلك اختراق مواقع المؤسسات والبنوك والسيطرة على بيانات الآلاف من الحرفاء والعملاء وأرقام بطاقاتهم الائتمانية وغيرها من المعطيات الحساسة.

ولا تقتصر خطورة القرصنة الافتراضية على هذا النطاق، فهي يمكن أن تشمل تهديد المواقع والأنظمة الحيوية ذات المحتوى الأمني أو قطع أنظمة الاتصال بين الوحدات العسكرية أو تضليل معلوماتها أو سرقة معلومات سرية عنها، فضلا عن السيطرة على المواقع السرية والاستراتجية مثل مواقع أجهزة الاستخبارات ووزارات الدفاع ما يؤدي إلى كشف خصوصياتها الدفاعية وتعريض خططها وأسرارها للتداول على نطاق واسع.

مفاهيم حديثة في مجال الفضاء الإلكتروني أنتجتهما التكنولوجيا مثل الحروب الإلكترونية وقراصنة المعلومات أو الهاكرز

ولا تتعدى تكلفة الأسلحة التي تمكن من إحداث كل هذه الخسائر الفادحة حجم الكيلوبايت الواحد وتتمثل في الفيروسات الإلكترونية التي تخترق الشبكات والكمبيوترات وتنتشر بسرعة بين الأجهزة، وتقوم بعملها في سرية تامة وبكفاءة عالية، وهي في ذلك لا تفرق بين المقاتل والمدني وبين العام والخاص وبين السري والمعلوم.

ويتطرق الكتاب في ذات السياق إلى المفاهيم الحديثة التي أنتجتها هذه التكنولوجيا مثل الحروب الإلكترونية والصراع الإلكتروني والردع الإلكتروني والدبلوماسية الإلكترونية، وألقى المزيد من الضوء على الفاعلين في مجال الفضاء الإلكتروني وبصورة خاصة قراصنة المعلومات أو الهاكرز، من حيث أنواعهم ومهاراتهم وقدراتهم، ويعطي نماذج عملية على قيام دول مثل الولايات المتحدة والصين وإسرائيل وروسيا بإنشاء جيوش من هؤلاء القراصنة للقيام بإدارة الحروب عبر الفضاء الإلكتروني.

في هذا السياق ظهرت الحاجة إلى تطوير استراتيجيات جديدة تتلاءم مع العصر الذي اختلفت فيه حسابات القوة والردع والحرب، العصر الذي أصبحت فيه الإنترنت الإطار العام الحاكم لكافة تفاعلاته، سواء كانت شخصية أو عامة، عسكرية أو سياسية، اقتصادية أو اجتماعية، بهدف معرفة التغيرات التي طرأت على مفاهيم القوة وممارسة النفوذ في العلاقات الدولية بفضل الإنترنت، وكيف أصبحت مصدر تهديد للدول والأفراد، ومعرفة المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها الأمن القومي للدول عبر الإنترنت، مع دراسة النموذج الأميركي في توظيفه للقوة الإلكترونية، وكيف أصبحت مصدر نفوذ أو تهديد للأمن القومي الأميركي.

يناقش الكتاب في ثلاثة فصول التغيرات التي طرأت على مفهوم القوة بفضل الإنترنت، وكيفية ظهور القوة الإلكترونية، كما يشرح عناصر القوة الإلكترونية وبصورة خاصة الأميركية، من حيث المصالح والتهديدات في الفضاء الإلكتروني، والاستراتيجيات المتبعة للتعامل معها، ويتناول الفصل الثالث تطبيقات لاستخدام القوة الإلكترونية، خاصة الأميركية، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو عسكرية بهدف تحقيق التفوق وممارسة النفوذ في العلاقات الدولية.

ويتصدر التطرف والتشدد الديني قائمة التحديات التي تواجه المصالح الدولية والأميركية عبر العالم الافتراضي إلى جانب إشكاليات الجريمة المنظمة أو العمل الاستخباراتي، حيث أصبحت الإنترنت مجالا لنشاط الجماعات المتطرفة وبث دعاياتها الأمر الذي زاد من استعار الحرب على شبكات التواصل الاجتماعي التي تحولت إلى مجال خاضع لسيطرة واكتساح المجاميع الإرهابية والداعمين لها للاستقطاب والتأثير وبث خطابهم الإعلامي عبر وسائط بديلة توفرها هذه المنصات الإلكترونية.

ويتطرق الباحث ضمن جملة المسارات المطروحة إلى إشكالية التسريبات التي باتت سمة أساسية في عصر الإنترنت، مثل تسريبات “ويكيليكس” وتسريبات “أدوارد سنودن”، حيث أثرت بقوة في علاقة الولايات المتحدة الأميركية مع غيرها من الدول، بما فيها حلفاؤها مثل ألمانيا وفرنسا، وكشفت التسريبات عن تجسس الولايات المتحدة عليها وعلى رؤسائها.

كاتب مصري

6