حروب واشنطن التجارية خلفت ندوبا على الاقتصاد العالمي

سياسة ترامب تسببت في شلل جهاز تحكيم التجارة الدولية متعددة الأقطاب.
الثلاثاء 2020/10/20
ترامب قوّض المنظومة التجارية متعددة الأطراف

تجمع التقارير والأبحاث الدولية على أن سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلفت ندوبا طويلة الأمد على الاقتصاد العالمي حيث وجهت الحروب التجارية التي خاضها طيلة عهدته ضربات قاصمة للتعددية التجارية والمنافسة والسوق الحرة.

باريس - بعد أربع سنوات في السلطة، فشل الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تحقيق وعده بخفض العجز التجاري للولايات المتحدة بينما وجّه ضربة سيطول أمدها للنظام الاقتصادي التعددي الذي يشكّل أساس التجارة العالمية، بحسب محللين.

لكن حتى وإن فاز منافسه الديمقراطي جو بايدن في الانتخابات الرئاسية كما تشير معظم استطلاعات الرأي حاليا، يرجّح أن تبقي السياسة التجارية للولايات المتحدة على شيء من الحمائية وأن تتواصل المواجهة مع الصين.

وكان من بين أبرز المواضيع التي ركّزت عليها حملة ترامب في 2016 أن الولايات المتحدة أكبر قوة اقتصادية في العالم تُستغَل من قبل شركائها التجاريين. وتعهّد الرئيس بإحداث تحوّل بترتيبات التجارة العالمية وخفض العجز التجاري لبلاده.

وبالفعل، أحدث ترامب تحوّلا في منظمة التجارية العالمية، لكن العجز التجاري للولايات المتحدة ازداد في عهده بينما يشير محللون إلى أنه لم يحقق الكثير في هذا الصدد.

ويشير الأستاذ في جامعة كورنيل إسوار براساد، إلى أن “سياسات ترامب التجارية حققت مكاسب قليلة ملموسة للاقتصاد الأميركي بينما قوّضت المنظومة التجارية متعددة الأطراف، ما تسبب بدوره بخلل في التحالفات طويلة الأمد مع شركاء الولايات المتحدة التجاريين وإحدث حالة من الضبابية”.

وبينما تقلّص بالفعل العجز التجاري بين الولايات المتحدة والصين هدف ترامب الأساسي، إلا أن الواردات من كندا والمكسيك ارتفعت بشكل كبير، وهو ما عمّق العجز الإجمالي.

وأفاد أستاذ العلوم الاقتصادية لدى جامعة باريس دوفين غيانلوكا أوريفيتشي أن الرسوم الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة على العديد من المنتجات رفعت “حمى المصنّعين الأميركيين”.

لكن هذه الرسوم رفعت في الوقت ذاته تكاليف الإنتاج بالنسبة للصناعات الأميركية وأظهرت مدى الاعتماد على المورّدين الصينيين.

وباتت البنية التحتية الاقتصادية العالمية اليوم في حالة تغيّر عميق.

ويقول الصحافي والكاتب المتخصص في السياسة التجارية الأميركية من مجلس العلاقات الخارجية للأبحاث إدوارد ألدن إن “سياسته كانت بكل وضوح مضرة بشكل كبير بالنسبة لأوروبا ومنظمة التجارة العالمية، وهو أمر سيصعب إصلاحه”.

إسوار براساد: ترامب قوّض المنظومة التجارية متعددة الأطراف
إسوار براساد: ترامب قوّض المنظومة التجارية متعددة الأطراف

وشلّ رفض ترامب تعيين قضاة جدد نظام فض النزاعات في منظمة التجارة العالمية، ما شكّل ضربة لجهاز تحكيم نظام التجارة العالمي متعدد الأقطاب.

بدوره، أفاد سيبستيان جان مدير مركز الدراسات المستقبلية والمعلومات الدولية، وهو المركز الفرنسي الرئيسي المعني بالأبحاث والاقتصاد الدولي، أن “دونالد ترامب أظهر أنه قادر على التدمير لكنه غير قادر على البناء”.

وأضاف “عند النظر إلى ما حصل عليه من الصين، يشعر المرء بالرغبة في القول كل هذا من أجل ذلك؟”.

وتركت الهدنة التي تم التوصل إليها في يناير لإنهاء الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين مسائل خلافية رئيسية دون حل على غرار سرقة الملكية الفكرية والنقل القسري للتكنولوجيا.

في الأثناء “أدت تصريحات إدارة ترامب وقرارتها السياسية العشوائية إلى نظرة عامة للولايات المتحدة على أنها شريك تجاري لا يمكن الاعتماد عليه ولا الوثوق به”، بحسب براساد من جامعة كورنيل.

ودفع الأمر دولا معينة لتجاوز الولايات المتحدة وإبرام اتفاقيات تجارية ثنائية أو متعددة الأطراف على غرار مضي دول منطقة الهادئ قدما بالتوصل إلى اتفاق بعدما أعلن ترامب انسحاب بلاده من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ.

وروّج ترامب لمهاراته في إبرام الاتفاقيات باعتباره رجل أعمال ناجحا قبل انتخابه، لكنه لم يبد الكثير من الفهم للمفاوضات التجارية متعددة الأطراف الحساسة والصعبة.

وبدلا من ذلك، فضّل التعبير علنا عن امتعاضه من قطاع السيارات الألماني والضرائب الفرنسية على شركات التكنولوجيا العملاقة.

أدت سنوات ترامب الأربع في السلطة إلى “ضعف المنظومة التجارية متعددة الأطراف متجسّدة بمنظمة التجارة العالمية التي لعبت الولايات المتحدة دورا أساسيا في تأسيسها”، بحسب براساد.

ومن شأن ذلك أن يصعّب تحقيق الكثير في ما يتعلّق بالتعاون لدعم تعاف مستدام للاقتصاد العالمي من أزمة فايروس كورونا.

ويرجع الصحافي ألدن فضل النجاح في إعادة التفاوض على اتفاقية أميركا الشمالية للتجارة الحرة مع كندا والمكسيك إلى ترامب، الذي دعم الجمهوريون والديمقراطيون على حد سواء جهوده في هذا الصدد.

كما أن جان يشير إلى فضل الرئيس الأميركي في تغيير قواعد اللعبة حيال الصين، وهو أمر ساهم في دفع الاتحاد الأوروبي لتغيير سياسته تجاه بكين، بما في ذلك انضمام دول أوروبية عدة إلى الولايات المتحدة في حظر معدات أنظمة اتصال الجيل الخامس من الإنترنت التابعة لهواوي.

وأفاد مركز الأبحاث الأوروبي “بروغل” الذي يتخذ من بروكسل مقرا، أنه يعتقد أن فوز بايدن سيعني عودة إلى الأسلوب الأميركي الأكثر لباقة في الدبلوماسية. لكن المضمون قد لا يتغيّر كثيرا.

وقال ألدن إن “الخلافات بين ترامب وبايدن بشأن التجارة أصغر من تلك المرتبطة بالعديد من المسائل الأخرى”.

وتشددت مواقف الديمقراطيين والجمهوريين في السنوات الأخيرة حيال الصين، التي لا ينظر إليها على أنها خصم يجب احتواؤه إذ أنها لم تتطور إلى اقتصاد سوق حر كما كان يؤمل.

وقالت فيكي ريدوود من “كابيتال إيكونوميكس” إنه “في ظل أي المرشحين، يرجّح أن يتسع نطاق الحرب الاقتصادية”.

وأضافت أن “الحرب التجارية كانت في الأساس أمرا لا بد منه نظرا لصعود الصين اقتصاديا وتواصل ذلك بمستويات عالية من التدخل من قبل الدولة بدلا من تبني قوى السوق”.

من جهة بكين، أكد قادة الصين في مناسبات عديدة أن الانفتاح الاقتصادي خير بلسم لتضميد جراح الاقتصاد العالمي، حيث أكدوا أن بكين ملتزمة بالتعددية، وتسعى لتحقيق التنمية مع بقية العالم بروح الانفتاح والتعاون وتبادل المنفعة.

وعلى الرغم من أن الوباء قد أجج المشاعر المناهضة للعولمة وغذى الحمائية في مختلف أنحاء العالم، إلا أن الصين لم تتراجع قط عن قرارها ببناء اقتصاد مفتوح.

10