حروفي تونسي يجعل من محمود درويش ثامن شعراء المُعلّقات

ياسر جرادي: أرسم وأغني كي أعيش حيوات أخرى أساسها الحب.
الثلاثاء 2021/06/15
جدارية بصرية مهداة لصاحب "جدارية" الكلمات محمود درويش

ياسر جرادي فنان تونسي متعدّد المشارب والتجارب، فهو الحروفي الذي يشتغل على الحرف العربي برؤى جمالية معاصرة، وهو المسرحي الذي يجمع بين التشكيل والموسيقى والكلمات ليسرد تجربته الخاصة التي لا تشبه أحدا سواه، وهو أيضا الموسيقي الذي التحمت ألحانه وكلماته بنبض الجماهير فغنى للشهيد شكري بلعيد ولتونس وأبنائها الكادحين. مع ياسر “المحب لكل الفنون” كان هذا الحوار مع “العرب”.

تونس - ياسر جرادي هو بالأساس فنان تشكيلي تونسي درس فن النحت ثمّ اختصّ في الخط العربي المعاصر، لكنه مهتم أيضا بفنون أخرى كالموسيقى والسينما والمسرح التي يُمارسها بإيمان راسخ فيه بتكاملها.

“العرب” التقت بياسر المُتفرّد برؤاه الجمالية الجامعة لجل الفنون بمناسبة مشاركته في النسخة السادسة من الصالون التونسي للفن المعاصر الذي يحتضنه حاليا متحف مدينة تونس (قصر خيرالدين) بالمدينة العتيقة لتونس العاصمة، فكان هذا الحوار الذي انطلقنا فيه من تجربته التشكيلية الجديدة “حائط درويش” لتشمل جميع اهتماماته الفنية المتنوّعة.

جدارية بصرية

ياسر جرادي: لا زلت أجد متعة كبيرة في الانتقال من نمط فني إلى آخر
ياسر جرادي: لا زلت أجد متعة كبيرة في الانتقال من نمط فني إلى آخر

عن جدارية “حائط درويش” التي يُشارك بها جرادي في الصالون التونسي للفن المعاصر، يقول “هو عمل تشكيلي في الخط العربي المُعاصر، طوله ثمانية أمتار، وعرضه ثلاثة أمتار ونصف المتر، وهو عبارة عن ثماني معلّقات كُتبت في كل واحدة منها قصيدة من قصائد الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش مع بعض الصّور في تركيبة تُشبه تركيبات الصحف والمجلّات”.

ويضيف “هذه التنصيبة هي إحياء لذكرى هذا الشاعر المفكّر صاحب ‘الجدارية’، أردتها في شكل حائط خُطّت عليه غرافيتي في إشارة إلى الجدار العازل الذي بناه الاحتلال الصهيوني في فلسطين المحتلّة”.

وتتصدّر جدارية “حائط درويش” إحدى قاعات قصر خيرالدين (تم تشييده سنة 1860) بمدينة تونس العتيقة، فاتحة ذراعيها لكل زائر للمعرض السنوي الذي دأب اتحاد الفنانين التشكيليين التونسيين على تنظيمه منذ ست سنوات في مثل هذا الوقت من كل عام، ليقرأ تعاليم الحريّة التي استقاها الشاعر الفلسطيني من والدته حورية ليبثّها إلى شعبه دستور مقاومة وحياة.

ثماني معلّقات كُتبت في كل واحدة منها قصيدة من قصائد درويش، وكأن ياسر يعلن هنا الشاعر الفلسطيني ثامن شعراء “المُعلّقات السبع” التي كانت تُكتب بماء الذهب وتُعلّق على أستار الكعبة قبل حلول الإسلام، وسُميّت بالمُعلَّقات لأنها مثل العقود النفيسة تعلق بالأذهان.

فكما علقت بالأذهان “قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل” لامرئ القيس، و”لخولة أطلال ببرقة ثهمد” لطرفة بن العبد، و”آذنتنا ببينها أَسماءُ” للحارث بن حلزة، و”أَمن أُمّ أَوفى دمنة لم تكلَّم” لزهير بن أبي سُلمى، و”ألا هُبّي بصحنك فٱصبحينا” لعمرو بن كلثوم، و”هل غادر الشعراء من مُتردّم” لعنترة بن شداد و”عفت الدّيار محلُّها فمُقامها” للبيد بن ربيعة، علقت بالألباب والعقول أيضا قصائد درويش من قبيل “العصافير تموت في الجليل” و”عابرون في كلام عابر” و”بين ريتا وعيوني بندقية” و”سجّل أنا عربي” و”الجدارية” وغيرها الكثير.

كتابات وصور أشبه بألحان خطّها جرادي بنوتة موسيقية ترنو إلى أفق مُبين، يشبه قلبه النابض بالحياة وروحه الراقصة على وقع المقاومة والتغيير وجسد هائم في دروب عشق صوفي يبزغ في كل مرة في تجلّ جديد.

وهذا التجلي المتجدّد يظهر في أكثر من تجربة فنية لـ”ياسر محبّة”، أحد عناوين العروض الفنية التي حكى فيها جرادي عن الحُب بشكله الكوني، وهو بصدد الإعداد الآن لعرض جديد تحت عنوان “الطريق هو الطريقة” مستوحى من رحلة بالدراجة الهوائية طاف بها الفنان أرجاء تونس على مدى شهر في العام الماضي.

وعنها يقول “رحلة الدراجة الهوائية دامت شهرا كاملا، قطعت فيها مسافة ألف وستمئة كيلومتر ذهابا وإيابا من مدينة الزهراء بتونس العاصمة إلى شط الجريد بالجنوب التونسي، وهي رحلة بدأت كتحدّ أو اختبار جسدي لتنتهي كرحلة صوفية علّمني خلالها الطريق ما علّمني، وأنا بصدد تحويلها إلى عرض فني مسرحي تحت عنوان ‘الطريق هو الطريقة’، أروي تفاصيلها بالكلمات والأغاني والصور والفيديو”.

تجربة إنسانية أهداها الفنان التونسي إلى روح الرحالة والمغامر الأميركي كريستوفر جونسن مكندلز (1968 – 1992)، حيث كتب على صفحته الفيسبوكية قبل شروعه في الرحلة في يونيو 2020 “العزيز كريستوفر، لقد أزالوا شاحنتك الـ142 من ألاسكا، لكن لا تحزن فقد أعددت لك أخرى في مكان جميل بالجنوب التونسي، تماما مثل الأماكن التي تحبّها، إنّه شطْ الجريد.. سيأتي أصدقاؤك قريبا”.

الحب دينه وإيمانه

 

Thumbnail

أسّس جرادي في العام 2005 مجموعته الموسيقية “ديما ديما” التي قدّم من خلالها مجموعة من الأغاني الملتزمة التي تتغنّى بالمهمشين والمعطلين عن العمل والوطن على غرار “شبيك نسيتيني” و”ما تخافيش” و”وحدي” و”عمري ما ننسى الحكاية” و”يلي متحبنيش” و”ذبّان” و”نهار خريف” وأغنيته الوطنية الشهيرة “نرجعلك ديما ديما” إلى جانب “نسمع فيه يغني” المهداة إلى روح الشهيد شكري بلعيد.

ولأن ياسر يعدّ من الموسيقيين التونسيين الملتزمين الذين عرفوا انتشارا كبيرا في الأوساط الشبابية ما بعد ثورة الـ14 من يناير 2011، أمثال بندرمان وصبري مصباح وآمال المثلوثي وبديعة حريزي، سألته “العرب”، “أي نصيب للموسيقى الملتزمة أو البديلة في تونس اليوم التي اجتاحتها موسيقى الراب؟ وهل لا يزال للأغاني الثورية جمهور؟”.

فيجيب “بعد الـ14 من يناير أصبحت الموسيقى الملتزمة في تونس تبثُّ في الإذاعات والتلفزيونات، وهذا أصعب رهان في رأيي، لأنّ المنع كان من أهم أسباب إشعاعها، ووجب عليها الآن أن تجد لنفسها توازنا مغايرا في هذا الوضع الجديد، أضف إلى ذلك ما أحدثته وسائل التواصل الاجتماعي وعدد المشاهدات من خلط في المعايير، وهو ما ساهم في انتشار أغاني الراب بالرّغم من تواضع مستوى أغلبها”.

ويضيف “أعتقد أنّنا نحتاج إلى المزيد من الوقت لنستوعب ما أحدثه فينا العالم الافتراضي في ميدان الفنون عامة، لكن الشيء الأكيد هو أن للأغاني الثورية جمهورا يكبر كلّما ازداد الظّلم والاستبداد”.

وحول سؤالنا “هل الصدفة هي التي جعلت منه فنانا شاملا يجمع بين المسرح والموسيقى والغناء والتشكيل، أم هو اختيار منه؟ لإيمانه بأن الفن فنون، والحياة الفنية مراحل؟”، يقول “لا أعتقد أنّ هناك شيئا اسمه صدفة، نحن ننضجُ من خلال تجاربنا حتى نصبح قادرين على رؤية الخيط الرّابط بين الطّرُق التي سلكناها”.

ويسترسل “لا زلت أجد متعة كبيرة في الانتقال من نمط فنّي إلى آخر، في مزجها وتركيبها وإعادة تشكيلها في ما بينها، تماما كطفل يفكّك لُعبه ويعيد تركيبها في أشكال مختلفة. كل الفنون تخضع لنفس القانون: الطّبيعة”.

ويستشهد الفنان التونسي تأكيدا على خياراته الفنية بمقولة لمبدع “الموناليزا” ليوناردو دافنشي “لا يجب على العمل الفنّي أن يكون قائما على الطّبيعة بل على القوانين الطّبيعية”.

ويضيف “عندما سُئل جورج براسّانس أحد أهم المجدّدين في الأغنية الفرنسية منذ أربعينات القرن الماضي: لماذا تكتبُ أغاني؟ قال: لكي أتمكّن من أن أعيش حيوات أخرى”.

وهو يرى نفسه مثله تماما، يعيش حيوات مختلفة، متشابكة أحيانا، فينتقل من ذلك الخطّاط الذي يكتب الكلمة ويمحو نصفها كي يحرّرها من المعنى ويجعل منها جمالا خالصا دون معنى إلى صاحب الدراجة الهوائية الذي يحاول إصلاح عطب ميكانيكي فيها، فتُباغته فكرة لحن جديد تجعله يرتمي على قيثارته بيد اختلط فيها لونُ الحبر بزيت الدراجة.

ولجرادي تجربة مسرحية حملت عنوان “الحب ديني وإيماني” تحدّث فيها عن درجات الحب الثلاث لدى محيي الدين بن عربي، فهل هو صوفي الهوى؟

عن سؤالنا، يقول “اشتغلت لفترة قصيرة كمصوّر فيديو لأعمال المسرحي التونسي المخضرم توفيق الجبالي، الذي أعتبره من أهم الفنانين التونسيين والعرب، وهي تجربة تركت فيّ أثرا عميقا أنتج عرض ‘الحب ديني وإيماني’، ومع ذلك لا أدّعي البتة أنّني صوفي، بل أنا مجرّد مُهتم بالصوفية إيمانا منّي بأنها الخلاص الوحيد من هذا العالم المادي الذي أضاف إلى نفسه صفة أخرى أشدّ فتكا وهي العالم الافتراضي. أنا أحدّث الناس عن الحب، فقد قال الكاتب الأيرلندي برنارد شو: هناك أُناس كان يمكن ألاّ يُحبّوا أبدا، لولا أنهم سمعوا قصصا عن الحُب. وأنا مثلهم”.

16