"حروف الضباب".. الرواية والسيرة والاختراق

السبت 2013/12/14
الرواية تغيب وتظهر دون أي قرار منك

التقيت بالخير شوار مرتين، مرة بالشارقة ومرة بالجزائر؛ في الشارقة أهداني نسخة من روايته "حروف الضباب". وصعدت أنا إلى الطائرة مع الشوكولاطة وبعض أكياس المكسرات. "موظف ما" بسلوك بارد برودة مكيّف لا شتاء حقيقيا فيه، بلكنة شامية مغموسة في أنكليزية مقتضبة؛ أفرغ ما في حقيبتي اليدوية من كتب، ولم تعد تلك الكتب إلا مجرد وزن، والحق لم تكن حقيبتي يدوية تماما، لكن ذلك "الموظف ما" كان أقل صرامة مع الشوكولاطة وبعض أكياس المكسرات في قاع الحقيبة؛ وفي الجزائر أعلمته أن الرواية بقيت بمطار دبي مع عشرات الكتب.

في الأصل عرّفني بـ"الخير شوار" صديقي الناقد المسرحي السوداني عصام أبو القاسم وهو أحد الطيور النيلية الكاسرة لكنه أغرم بالمسرح وأصبح مرموقا في النقد. ولم يكن بين "عصام" و"الخير" على مدى أيام سوى حوار واحد أو هكذا شاءت الأمور أن يتكرر الحوار أمامي بالذات. الخير يستعجل العودة إلى الجزائر. وعصام كأنه يستجديه البقاء بحب كبير. ولا بد أن أقول في هذا السياق إن الخير من نوع غريب جدا. فهو يصبح صديقك بسهولة. لكن في عينيه -وأنت تتحدث إليه- نوع من الأجنحة. كل كلمة ينطق بها كأنها تهديد بالمغادرة والابتعاد والرحيل والغياب. هناك عنده أسهل من هنا. وترى الخطوات في عينيه. يبدو مثل من لا يصرّ على شيء ولا يتشبث بأحد أو بأمر. يمكن أن يتخلى في أية لحظة.


رواية كصاحبها


هذا هو الانطباع الذي تركه عندي الخير شوار. ثم قرأت روايته "حروف الضباب" وتسلل الانطباع إلى القراءة فوجدت نثارا منه. روايته تشبهه. هذه رواية في صلب الاختفاء، تغيب وتظهر دون أي قرار منك. هي في الأصل تهدي إليك ثم تغيب في حقيبة السفر ولا يكشف عن وجودها سوى سفر آخر. لم أقرأها في حينها لأنني قاومتها. لم أقبل أن تختار هي زمن قراءتها. وعاقبتها فتركتها تنتظر. هذه رواية تحبذ الغياب. وهذه النسخة سافرت من الجزائر إلى دبي ومن دبي إلى تونس. سافرت بعيدا لتصل إلى مكان قريب. فكأنها تعدني برؤية خاصة للمكان يدعمها مقتطف "كلكامش" في تصدير الرواية. الغابة التي كانت تمتد عشرة آلاف ساعة في كل جهة.

حكاية الرواية تقريض للرحلة. الرحلة من المكان إلى المجاز ومن المحايثة إلى الاختراق ومن المادة إلى ما وراءها. ومن المعنى إلى الصمت كتب لي الخير في الإهداء بخط يده "صديقي المبدع يوسف البحري أهدي إليك هذه الحروف"، الحروف وليس سبك الحروف في الكلام -الصوت والعلامة وليس الدلالة. لقد نجت هذه النسخة مع الشوكولاطة وبعض أكياس المكسرات من صرامة ميزان المطار ومن ذلك "الموظف ما" مثلما نجا الزواوي "الثاني" من الوباء الذي ذهب بكل أهل قرية عين المعقال. وشماتة في ذلك "الموظف ما" يحلو لي أن أشبهه بذلك التاجر وهو يسوق دابته والإسهال الوبائي متمكن منه ثم من سكان القرية ما عدا الزواوي. ألم يأت ذلك الموظف الذي يشبه قطع الثلج في إناء لامع بملهى فخم على كل كتبي بإهداء مؤلفيها وناشريها ما عدا رواية الخير شوار؟!

لقد ظهرت في طريقي الصيفي الحار مثل الدليل في رحلتيْ "العلمي" إلى تمبكتو ونيسابور حتى وضع في صدره سر الأسرار كتاب "كلام الكلام" المدون في صدور خاصة الخاصة.

إنني لم أقرأ رواية كهذه الرواية في تشبعها بالتصوف الطرقي الحي الذي يوجه مخيال القرى الجزائرية والمغاربية

كتاب السلام المفقود ثم سعى من بعده الفتى الزواوي "الثالث" حتى غاب في الضباب بعد أن فك حروف طلسم التميمة. رواية "حروف الضباب" رواية مركبة تعود بك إلى أمهات السرد الكلاسيكي ولكنها ليست سردا كلاسيكيا. مركبة نعم، غير أنها تقول معنى بسيطا للغاية هو: السلام. وكم هي عميقة تلك البساطة وواضحة! في ثنايا الرواية تلتفت فتجد بقربك باولو كويلهو. الخير وكويلهو كلاهما يعمدان إلى المادة ذاتها: أدب المتصوفة ومناقب الأولياء الصالحين. بل إن رواية الخير تركز على شيء لا يركز عليه كويلهو. إنها قصص البدايات وقصص التحولات بمعناها الأسطوري النبيل. أما كويلهو فهو يلتقط لحظات مجرد لحظات.

يعيدك الخير إلى الإسلام الشعبي الذي تحبّه ويغمرك فيه إذ تحبه سلام عجيب. ذلك السلام نعرفه نحن الجزائريين والتونسيين في حياة أمهاتنا وعائلاتنا وقرانا. يمنحنا مجالا من الحرية والمصالحة والاختراق والتجاوز لا نراه في الإسلام التلفزي الفضائي الذي ينهار على رؤوسنا من الأقمار الاصطناعية بأصوات دعاة فاحشي الثراء. التلفزيون هو أغبى أكسسوار في رواية الخير شوار. ولم ير من الغياب سوى الضياع. تبدأ الرواية بإعلان تلفزيوني عن اختفاء الزواوي. والتلفزيون مثل مدرسي الزواوي متحجري الفكر لا يعرفون حرارة "شمس المعارف" وهو مجرد واجهة عند العلمي كتاب يفتحه ولكنه يقرأ من صدره كتابا آخر هو "كلام الكلام". التلفزيون يبدو سخيفا في رواية تملؤها الهواتف الروحية والإشارات والأمارات والعلامات. إنني لم أقرأ رواية كهذه الرواية في تشبّعها بالتصوف الطرقي الحيّ الذي يوجّه مخيال القرى الجزائرية والمغاربية. ولم أقرأ إلا عند كويلهو تشكيلا غير مفتعل لتلك المادة الحية الموجودة في الكتب والحياة معا.

رواية الخير شوار رواية اختفاء بالمعنى الاجتماعي يعلن عنه التلفزيون في البداية ثم تظهر في خاتمة الرواية حقيقة ذلك الاختفاء فإذا هو غياب روحي لمريد يسعى إلى مطلق الحقيقة من وراء حجب الكلام حقيقة لا تحبسها لغة ولا يقيّدها كتاب. رواية الخير مركبة من جملة من السير: سيرة الزواوي الأول وسيرة الزواوي الثاني وسيرة "العلمي". وفي كل سيرة راو أو الخير الرواي والأم والناس وشخص مجهول وتلك السير مسارات درامية. ثلاثة مسارات يستحضرها المسار الحاضن حكاية الزواوي الثالث الفتى الذي ورث عن جدّيه البعيدين الحبيبة ذاتها "الياقوت". الياقوت التي كانت مع جدّيه من لحم ودم فأمست طيفا يزوره تحت شجرته المباركة شجرة التين التي تفهمه ولا تكلّمه.


حراس الخيال


عجيبة شخصيات الخير! فهي تسعى في الغالب إلى التخلص من ماديتها باستحضار الماضي المؤسس للقرية. تخترق الزمان والمكان والجسم والروابط. هذه الرواية تقول لك بمتعة عالية إن مجتمعاتنا القروية التقليدية كانت قادرة على اختراع مجالات تحررها من نفس المجال الذي قد يكون مصدر المنع والقمع والكبت: المجال المقدس. أليست الشعوب دوما أوسع خيالا من حراس الخيال؟! هذه الرواية ليست رواية عالمة، ويمنحها ذلك قوة. ليست رواية المثقفين والنخب الحديثة والنخب التقليدية.

16