حروف ناطقة.. هندسة بصرية روحية في دار الأوبرا المصرية

الفنان حسن حسوبة يقدم تشكيلات متنوعة تنبني هندسيًّا على الحروف العربية والآيات القرآنية وفق استشفاف وجداني بالغ الخصوصية للمعاني التي تسمو فوق فكرة اللغة.
الأحد 2018/06/10
أعمال حسن حسوبة تقتنص جوهر المرئيات وتكشف أسرار الحروف الكامنة وراء الشكل

القاهرة - يقدم الفنان حسن حسوبة لوحات حديثة في الخط العربي تحرر الحروف من الزخارف والدلالات الكتابية لتصير تشكيلًا وتجريدًا يحدث أثرًا في الإنسان أيًّا كانت لغته.

ويلاحق فن الخط العربي التطورات الكائنة في مدارس التشكيل حول العالم، فلم تعد البهرجة واستعراض الجماليات الشكلية للحروف هي التي تشغل الخطاط، بقدر ما صار الفنان مهتمًا بتفجير أسرار الحروف وكشف دلالاتها البصرية والروحية بغض النظر عن منطوقها والكلمات التي تشكلها هذه الحروف.

وهذا ما سعى إليه الفنان حسن حسوبة في معرضه المنعقد بالقاهرة، حيث يقدم تشكيلات وتكوينات متنوعة متناغمة تنبني هندسيًّا وإيقاعيًّا على الحروف العربية والآيات القرآنية وفق استشفاف وجداني بالغ الخصوصية للمعاني الجوهرية التي تسمو فوق فكرة اللغة.

“حروف ناطقة”، عنوان وفلسفة في الآن ذاته للمعرض الذي جرى إطلاقه في قاعة زياد بكير في دار الأوبرا المصرية بالقاهرة على مدار أسبوع (31 مايو – 6 يونيو) للخطاط والفنان التشكيلي حسن حسوبة (54 عاما)، ويشتمل على عشرات اللوحات التي عولج فيها الخط العربي بأساليب غير تقليدية، لكي تنطق الحروف من غير شفاه ولا تهجية.

يقترح حسوبة، أحد مؤسسي الجمعية المصرية العامة للخط العربي وعضو الاتحاد العالمي للخط العربي والزخرفة الإسلامية، إمكانية إزاحة التصورات التقليدية بشأن الاستعمالات الفنية والزخرفية الموروثة للخط العربي في كتابة الآيات القرآنية والأقوال والعبارات المأثورة في الثقافة العربية والإسلامية.

فضاء شاسع

يرى الفنان أن هناك جماليات كامنة للحروف والخطوط العربية لم يتم إطلاقها بعد على النحو الأمثل، فكل حرف كما يقول حسوبة لـ”العرب” هو حالة شعورية وهالة ضوئية وفضاء شاسع يمكن السباحة في طبقاته المتصاعدة نحو اللانهاية المعرفية والإشراقية.

الفنان حسن حسوبة لـ"العرب": لوحات الخط العربي تكوينات تشكيلية مكتملة وليست كلمات وزخارف
الفنان حسن حسوبة لـ"العرب": لوحات الخط العربي تكوينات تشكيلية مكتملة وليست كلمات وزخارف

إذا كانت الحروف يمكن أن تنتظم في كلمات وعبارات تمنحها بعض الدلالات اللغوية، فإن هناك صيغًا تشكيلية يمكنها أن تعالج هذه الحروف بصريًّا في تكوينات لا حدود لها، بما يمنحها طاقات وإشارات تتسع للمعاني الجوهرية التي تتجاوز القوالب الضيقة للمسميات والطابع التوصيلي للغة كاختراع بشري ليس هو الأمثل للتفاعل الإنساني.

عشرات اللوحات بألوان الجواش على الورق المقوى تجسد رؤية الفنان في جعل الحروف العربية تنطق من غير صوت، وتخاطب الإنسان بأبجديات تجريدية وترميزية أيًّا كانت لغته، بغض النظر عما إذا كان يستطيع قراءة الحروف أو الكلمات العربية أو لا يتمكن من ذلك.

يستفيد الفنان حسن حسوبة من دراسته التصميم الهندسي في إحداث انسجام في الأشكال والتكوينات الحروفية التي يطلقها، مستوعبة بعض الحروف المنفردة ذات الدلالات الخاصة مثل النون أو الكاف أو الضاد أو الواو، أو بعض الكلمات أو العبارات المأثورة أو ذات الطابع الديني أو الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة أو الأبيات الشعرية الإنشادية وغيرها.

 هذه الهندسة، بما فيها من ارتكاز على مخزون معرفي، ووعي كبير بالخطوط العربية وعلى رأسها الثلث والكوفي والنسخ والرقعة والديواني والفارسي، تتخلى عن طابعها المدرسي التقعيدي، منصهرة في تجليات الإفاضة الروحية التي تسكبها الحالة الفنية والوجدانية لحظة تصوير المشهد المستوحى من نبض الحروف، فيأتي العمل محمّلًا بدفقات حية وطابع إنساني حميم.

صفحات للقراءة

هي هندسة بصرية، لكنها روحية في استقصائها “الما وراء”، وفي اقتناصها جوهر المرئيات، وكشفها عن أسرار الحروف الكامنة وراء الشكل الفيزيائي النمطي، مهما بلغت درجة جماليته، وهذا ما عبّر عنه الفنان حسوبة بقوله إن لوحات الخط العربي هي ليست صفحات للقراءة، وليست كلمات وزخارف، بل هي تكوينات تشكيلية مكتملة، ورؤى بصرية تسعى إلى إحداث نوع من التوازن في هذا العالم.

معروف أن التاريخ قد عرف الخط العربي فنًّا خالصًا في اللوحات، وقماشة حية لتزيين المساجد والقصور وزخرفة الكتب والمخطوطات وصياغة حروف القرآن الكريم، ومع بروز خط “الثلث الجلي” في القرن العاشر الهجري، الذي يتميز بقابليته للتشكل في إطار تكوينات جمالية مستقلة، ظهر فن “اللوحة الخطية” كنسق تشكيلي، وتطور بشكل ملموس في عهد العثمانيين.

إبداع
فن وإبداع

إلى جانب كتابة الفنان حسن حسوبة آيات قرآنية من قبيل “ن.. والقلم وما يسطرون”، “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”، “واجعل لي وزيرًا من أهلي هارون أخي اشددْ به أزري”، “ذهب السيئاتُ عني”، بطريقة خطية جمالية، فإن تكنيك التصوير المبتكر يتيح تشابكات وتداخلات بين الأحرف والكلمات، ذات الألوان المختلفة المتدرجة، فتتحقق دراما التكوين التي تنقل الحالة على هيئة أضواء وظلال تندفع من مشكاة أو مصباح، فينجذب المتلقي إلى ما يستشعره بحواسه وبصيرته قبل أن يفسّره بذهنه وبصره.

هذه الآلية يصفها الفنان حسن حسوبة بأنها بمثابة تحويل الحروف إلى أكواد أو شفرات، يتم فكها بواسطة المتلقي الإيجابي وفق خبراته السابقة. وقد تبدو الحروف أكثر وضوحًا في تشكيلات أكثر بساطة، من قبيل “يا دنيا غُري غيري”، وهنا يستفيد الفنان من تكرار حروف الغين والراء والياء في لفظتي “غري” و”غيري”، فيقيم علاقة بصرية بين كل حرف في الكلمة الأولى ونظيره في الثانية، فتتولد ثيمة وقيمة تشكيلية جديدة، وتصير الحروف والكلمات رسومًا بحد ذاتها.

يطلق الفنان حسوبة العنان لموهبته الفطرية، لكي يتمكن من إضفاء انفعالاته وتدفقاته الشعورية على الحروف والمفردات التي يتعامل معها كوحدات فنية بإمكانه التحكم في حساباتها وإشعاعاتها وألوانها، مع مساحة كبيرة من الابتداع والخلق وأساليب المد والاستدارة والتداخل والزخرفة والتركيب وما إلى ذلك من فنون الخط العربي التي يحررها من أطرها الجاهزة.

ويرى أن الهدف الأسمى لفنون الخط وجمالياته التصويرية هو الإسهام في استقامة ميزان الوجود، ونقل رسائل بصرية نورانية تفيض بالتسامح والسلام والمحبة، بما يحقق تواصلًا إنسانيًّا بين البشر أينما كانوا، وهذا ما قد لا تستطيعه اللغات واللهجات بخطابياتها الاعتيادية.

14