حرية التعبير المزعومة في الإعلام الغربي تحت المجهر

الحقيقة تبدو أحيانا بعيدة عن الصورة التي ترسمها الميديا، حيث تكون المادة المقترحة في الغالب مفبركة.
الجمعة 2019/10/11
نقاط استفهام حول الإعلام الغربي

الرأي السائد عن الإعلام في الغرب أنه إعلام حرّ يعكس بصدق مناخا ديمقراطيا تمارس في أعطافه حرية التعبير والفكر والمعتقد، كسمة بارزة من سمات الثقافات الأوروبية والأميركية. ولكن الحقيقة ليست بهذا التبسيط.

يبدو الإعلام الغربي، مقارنة بإعلام البلدان النامية، معبّرا بحرية عن تطلعات شعوب تعيش تحت أنظمة ديمقراطية، لا يتنكب عن مجابهة الأقوياء، وتحليل خطاب السياسيين بجرأة، وحتى استباق السلطات المعنية في الكشف عن الفاسدين والخارجين عن القانون، ولكن بعض المتخصصين يضعون ذلك موضع شك.

ويعتبر هؤلاء المتخصصون أن وسائل الإعلام تقدم ما يريد داعموه، من القطاعين العام والخاصّ، أن يمرّروا للمتلقين، دليلهم على ذلك نزوع وسائل الإعلام الكبرى إلى إثارة مواضيع مشتركة. فالموضوع نفسه يتم تداوله في الوقت نفسه في شتى القنوات، وعلى مدار الأسبوع أحيانا، والغاية في رأيهم إما طمأنة الرأي العام حول موضوع معين، أو تثبيت فكرة، أو شيطنة فئات مجتمعية بعينها، حشدا لذلك الرأي العام، ما يجعله، في جانب كبير منه، قائما على ما تبثه وسائل الإعلام، أي أنها تصنع رضا المتلقين وتوجههم نحو فكرة كما توجههم لشراء بضاعة. لاسيما أثناء الانتخابات، حيث تنتأ فجأة فضائح تمسّ هذا المرشح أو ذاك، وترفع عمليات سبر الآراء من شأن مرشح آخر لتمييزه عن سواه، بينما يختلف الصحافي الواحد في طريقة محاورة المتنافسين، فيشدد الخناق على هذا، ويليّن نبرته مع منافسيه.

وكان نعوم تشومسكي قد بين منذ عام 1988 كيف أن الصحافيين يعملون لخدمة أيديولوجيا معينة دون وعي أحيانا، تتساوى في ذلك السياسة والدعاية الإشهارية، حيث تملي وسائل الإعلام على المواطن موقفه من هذا الحاكم أو ذاك، مثلما تملي عليه نمط عيشه وتحدد رغباته.

والسبب في ما يرى أهل الصناعة، أن وسائل الإعلام تضع ما يشبه مَراشح لا تُدرَك بالعين ولا بالوعي غير المدرب. أول تلك المراشح المِلكية، فأغلب وسائل الإعلام الشهيرة هي ملك لمجموعات كبرى لا يعرف الجمهور عنها أي شيء تقريبا، هي أيضا ملك لمؤسسات ضخمة لا غاية لها إلا الربح. ما يجعل الصحافي مجرد بيدق، يكد ويجد لخدمة مصالح تلك المؤسسات.

ثانيها الإعلانات الإشهارية، فمن دونها لا تضمن وسائل الإعلام بقاءها، لذلك تعتمد على تنويع العمليات الإشهارية وتكثيف حضورها لتحقق استمرارها.

وبما أن أصحاب الإعلانات يبحثون عن الربح، فإنهم لن يحرزوه إلا بملامسة أكبر قدر ممكن من الأفراد، أي أن الميديا تبيع منتوجها للمستهلكين، وتبيع المستهلكَ لأصحاب الإعلانات.

وثالثها تواطؤ وسائل الإعلام مع المؤسسات، فالحكومات والمؤسسات الكبرى تغذي الصحافيين بما يحتاجون إليه من أخبار، حتى أن أغلبهم لا يغادرون مكاتبهم، بل إن بعض المؤسسات وكذلك الحكومات تسعفهم بخبراء ومحللين وتقارير رسمية لكي يدبجوا على ضوئها مقالاتهم أو حواراتهم.

ورابعها الهجوم على من يشذ عن القاعدة، كأن ينشر صحافي أو مؤسسة إعلامية مقالا يثير حفيظة بعض الأطراف، فتنبري تلك المؤسسة في ممارسة ضغوط عليه قد تصل إلى التهديد بالقتل.

مهمة وسائل الإعلام في المخيال الجمعي هي نقل ما يجري في الداخل والخارج بأمانة، وليس على المتلقي إلا أن يوليها ثقة عمياء

وخامسها وأخيرا، البحث عن عدو مشترك، كالإسلام والمهاجرين والإرهاب، وما إلى ذلك من مواضيع ساخنة لخلق مناخ من الخوف والغضب تسهل معه السيطرة على الرأي العام لتوجيهه توجيها يصرفه عن مشاغله الحقيقة، كالبطالة وغلاء المعيشة وزيادة الضرائب.

المفارقة أن الجمهور العريض في معظمه يعتبر أن المعلومة التي تقدّم له على طبق هي حقيقة لا غبار عليها، فقد بلغ تأثير الإعلام حدّا جعلهم يسلمون بما يقرؤون وما يسمعون وما يشاهدون من أخبار على الشاشة، دون أن يسعوا إلى مناقشة فحواها أو وضع أساسها موضع شك، لأن مهمة وسائل الإعلام في المخيال الجمعي هي نقل ما يجري في الداخل والخارج بأمانة، وليس على المتلقي إلا أن يوليها ثقة عمياء.

وقد رسخ في الأذهان منذ عهد طويل أن الصحافي نوع من الباحث عن الحقيقة، وأنه في وجه من الوجوه بطل يتحدى الصعاب للوصول إلى خفايا هذه القضية أو تلك، والكشف عن جوهرها، ثم يشارك قرّاءه أو مستمعيه أو مشاهديه اكتشافه. ذلك أن انجذاب الإعلام إلى موضوع ما يثير الفضول لدى الجمهور العريض في البداية، قبل تبنّيه براهينَ شبيهة بالزاوية التي اتخذها الصحافي في نقل الموضوع الذي عرضه عليه.

وقد بينت الصحافية فلورانس أوبناس والفيلسوف الأرجنتيني ميغيل بيناسايغ في كتاب “صنع المعلومة، الصحافيون وأيديولوجيا الاتصال” أن أيديولوجيا الحدث الحقيقي هي إحدى الأيديولوجيات الكبرى في الوسط الإعلامي، وكأن الصحافي لا يقوم إلا بإظهار أحداث موضوعية لا جدال فيها، بكل نزاهة وشفافية، وأن كل رأي يبديه يكون حجر عثرة أمام تلك الموضوعية المقدسة.

بيد أن متخصصين آخرين يذهبون إلى القول إن عملية التأثير لا تسير في اتجاه واحد، ففي رأيهم أن المجتمع أيضا يؤثر في الميديا، من خلال تأويل الأحداث وتبنيها أو رفضها.

هذا مثلا جوليان لوكونت، المتخصص في سوسيولوجيا الإعلام، يؤكد في كتابه “الميديا: التأثير والنفوذ والوثوقية” على وجود جملة من التفاعلات بين الميديا والظرف الاجتماعي وتعدد الفاعلين من مواطنين وصحافيين ولوبيات… ولوكونت لا ينكر أساليب الميديا في التأثير على الرأي العام، في شكل الاتصال (في المجال السياسي خاصة) والتسويق، وفرض الرقابة على ثيمات معينة، أو اختيار ثيمة تلبي أفق انتظار الجمهور العريض.

ويضرب مثلا على ذلك بقناة تابعة للقطاع العام تختار الإرهاب الإسلامي موضوعا لنشرتها الإخبارية في أكثر من مناسبة، ما يشكل نصف نشراتها تقريبا، ولكنه يعتقد، رغم ذلك، أن وسائل الإعلام ليست سوى انعكاس للمجتمع الذي يحيط بها.

لكم تبدو الحقيقة أحيانا بعيدة عن الصورة التي ترسمها الميديا، حيث تكون المادة المقترحة في الغالب مفبركة، تقف وراءها كما أسلفنا قوى لا يهمها غير ما تجنيه من نشر أخبار تؤثر في المتلقي تأثيرا يحقق مصالحها، ولو على المدى البعيد.

18