حرية التعبير بين صحوة الضمير والقدرة على التغيير

مفارقات صارخة تكبل قلم صحفي في حكاية كلها سخرية ودعابة عن السلطة وتوظيف الدين للكاتب المغربي كامل حاتمي يعبر فيها بكل جرأة عن واقع أغرب من خيال استلهمه في رواية “عصا الراعي”، الصادرة عن “منشورات إيليزاد“.
الأربعاء 2015/07/08
حين ثارت الشعوب العربية تمخض الجبل وحري الآن بالقطيع أن ينصاع إلى عصا الراعي

رواية “عصا الراعي”، للكاتب كامل حاتمي، التي تجري أحداثها في المغرب، تحكي قصة صحفي يشتغل في جريدة حكومية تخضع لأوامر النظام. بين عشية وضحاها سوف يجد الصحفي نفسه فاقدا لملكة الكتابة، أي أنه لم يعد قادرا عليها. كأنه أصيب بمرض فجأة تماما كما نصاب بزكام أو قرحة المعدة. وهذه معضلة حقيقية، فالصحفي لا يمكنه العيش دون القدرة على الكتابة، مما سيجعله يخوض سباقا ضد الساعة لاسترجاع تلك القدرة على وجه السرعة لأنه في أمس الحاجة للحفاظ على عمله.

رحلة البحث هذه ستقوده إلى التنقيب في جذور هويته حيث سينغمس في ماضيه لمعرفة من هو ومن كان وما الذي أدى به إلى العمل في صحيفة نظامية في حين أنه ينحدر من وسط يساري متجذر.

هجوم إرهابي

عندما اكتشف دراغان شيناه الصربي ـ المغربي والصحفي نجم الأنباء السباق إلى تغطية الأحداث التي تروج بالدار البيضاء، أنه فقد القدرة على الكتابة، تَمَلّكه الضجر والانزعاج. هل يبدأ حصصا للعلاج؟ فيُخيِّب آمال زوجته مرة أخرى؟ ويطفئ همومه في الكحول وممنوعات أخرى، رفقة صحبة عجيبة غريبة الأطوار؟

تتاح له فرصة أخيرة غير متوقعة، لأن الأحداث ستثور فجأة. حدث هجوم إرهابي في فندق فخم بالمدينة المغربية الدار البيضاء. بين السُّبل الإسلامية والصدمات المكبوتة، إنها فرصة دراغان لخلخلة هيكل كيانه والانكباب على البحث في الثقوب السوداء في أعماق ماضيه. تحت ظلال أشجار النخيل وقبالة الواجهة البحرية المشمسة، يختفي واقع صامت ومضطرب.

تحمله مفارقة شرسة وسخرية تهكمية، يغوص بنا كامل حاتمي في أغوار وأنفاق مغرب عميق ليجعلنا نقتفي أعقاب عملاق أشقر جذاب وغريب الأطوار يعيش في مدينة طنجة. بهذه التوطئة ارتأى الناشر تقديم الرواية.

كتاب كامل حاتمي يعالج موضوع توظيف الدين بأسلوب ساخر

يبحث الكاتب عن بنات الأفكار في حانة “بوغار”، هذه الحانة سيكون لها دوران: الأول هو أنه المكان الذي يجتمع فيه مع زملائه حيث يعتبر مجالا ملحقا لمكتب العمل، ففيه يتحرر ويطلق العنان لأمهات الأفكار ويبتكر مقالاته عن الأحداث الراهنة في جو حميمي بعيدا عن الأجواء الرسمية.

من جهة أخرى، فهو مكان للهروب والتصرف دون رقابة، فهناك يكثر من تناول الكحول ويدخن السجائر المخدرة. إن حانة “بوغار” أيضا مكان للغسيل، كما يتم تبيض الأموال، فمجموعة الصحفيين أولئك كانوا يستغلون تلك الأجواء للتخلص من عذاب الضمير وكأنهم يعمدون إلى تطهير أنفسهم من الكذب والبهتان اللذين يمتهنونهما في فبركة المقالات التي هي نتاج صناعة أحداث لم يعاينوها أبدا، وكتابة أشياء قد لا تحاكي الواقع وتخالف قناعاتهم أيضا. هذا هو المكان الذي سيشكل مسرحا للرواية.

اختار كامل حاتمي أن تكون الصحافة إطارا لروايته، ويرى حاتمي أن هذا التوجه يعود إلى أنه بالنظر إلى الوضع السياسي الحالي فقد طال الحديث عن حرية الصحافة وعن التطور الديمقراطي بالمغرب. نعم، فقد شهد مجال الحريات العامة عدة تطورات مقارنة مع ما كانت عليه الصحافة في ثمانينات القرن الماضي.

لكن في المقابل فإن المشهد الآن يعرف تراجعا عن عدة مكتسبات على الرغم مما يتم الترويج له من صور الديمقراطية الحديثة، فالممارسات والضغوط التي تقع على الصحافة تنم عن وجود مشكل حقيقي يستعسر معه المسار الديمقراطي. هي مقاربة أراد المؤلف أن يلامسها، لأنه موضوع يشغل باله بشكل خاص، من خلال تناول واقع هذا البلد اليوم.

الصحافة والسلطة والدين

بالعودة إلى الرواية، فهي مؤثرة تشد الأنفاس، طريفة ومضحكة في بعض الأحيان، مأساوية أحيانا أخرى وجذابة كشخصية بطلها. مع أنها من وحي الخيال إلا أن وقائعها ترسم صورة معبرة عن المغرب مكتوبة بشكل جيد بمزيج من السخرية والرقة.

يشعر القارئ أنه محمول وسط مشاهد مهيبة من منحدرات وحافات طنجة قبالة جبل طارق إلى حانة “بوغار” المريبة التي تسبح في الدخان.

كامل حاتمي: موضوع روايتي عن الصحافة يعود إلى الوضع السياسي الحالي
زيغ وانسلاخ عن الأعراف والقيود المجتمعية تطلق عنانه المشروبات الروحية في حقل منيع عن الرقابة. نضحك كثيرا مع هؤلاء الصحفيين المتفانين في اللياقة السياسية.

إن أحداث القصة تدور في المغرب، إلا أنها قابلة جدا للتطبيق على بلدان أخرى تشهد أحوالها عدم استقرار بسبب ما سمي بـ”الربيع العربي” وهي للاستكشاف بالضرورة!

زخم من الأحداث يعالج المؤلف من خلاله موضوع السلطة وتوظيف الدين بأسلوب ساخر “مع أن السلطات الدينية نظمت صلاة وطنية كبيرة تهدف إلى درء لعنة الماء، لكن لا شيء حصل.

لقد ظلت السماوات صماء بعناد لصلوات كان ربما يغلب عليها الطمع لتكون صادقة تماما”. تشكل الصحافة فيه الإطار العام وتشد خيوطه حرية التعبير المكبوتة “الخط التحريري لصحيفتنا هو أن نكون في قمة الحدث.

لكن يتوجب علينا ألا ننسى واجبنا بالولاء لمؤسساتنا المقدسة والعريقة بآلاف السنين. هذه المؤسسات التي يجب أن أذكركم أن شرعيتها تاريخية ولكنها أيضا شعبية. ألم يصوت الشعب في استفتائه على الدستور الجديد بنسبة 98.5 في المئة؟” ليخلص في آخر المطاف أنه حين ثارت الشعوب العربية تمخض الجبل. وأنه حري بالقطيع أن ينصاع إلى عصا الراعي “الإسلاميون في السلطة! هل كنتم أنتم تتصورون ذلك؟ (…) بُلهاء يسيل لعابهم جعلنا ربيع الشؤم العربي هذا! لمحاسن صدفنا، فالإسلاميون لدينا معتدلون، على قدر أيدينا (…) وعندما سيغرفون بما يكفي من صندوق المقاصة وتُستنزف المالية، ستُطلق صافرة نهاية الاستراحة”.

14