حرية التعبير محكومة بالمحظورات الاجتماعية قبل الرقابة في السعودية

السعوديون يطالبون الإعلام بأن يكون أكثر مسؤولية من مواقع التواصل الاجتماعي.
الاثنين 2019/04/22
ردود فعل السعوديين على وسائل التواصل الاجتماعي مؤثرة

لا يمكن التعامل مع حرية التعبير في السعودية بمعزل عن التقاليد والحدود الاجتماعية التي تفرضها سلطتها على قضايا الحريات، ومازالت تتفاوت آراء السعوديين بشأنها ما بين الترحيب والارتياب، وينعكس الاختلاف في ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي، ما يجعل المشروع الإصلاحي يخطو بحذر، حيث تتأرجح الاستراتيجية السعودية بين التشدّد والمرونة.

الرياض – تعتري مسألة حرية التعبير في بلد محافظ مثل السعودية الكثير من الارتباك، حيث تفرض المحظورات الاجتماعية نفسها على الحريات قبل رقابة الحكومة، فرغم الإصلاحات التي تشهدها البلاد منذ فترة إلا أن الآراء على مواقع التواصل الاجتماعي تعكس حالة من الجدل حول إلى أي مدى يجب أن تذهب حرية التعبير، وما هي المعايير التي يجب أن تلتزم بها؟

وكانت مسائل الجنس والدين والسياسة من المحرمات في السعودية كجزء من مدونة سلوك اجتماعية غير مكتوبة لكنها معروفة، وذلك من أجل البقاء بعيدا عن المشاكل.

لكن مع الإصلاحات الاجتماعية السريعة، فإن السلطات تبدو حذرة في تعريف الانتهاكات، وهو ما يؤدي إلى ارتباك لدى الرأي العام الذي يحاول معرفة حدود تحركه.

علي الشهابي: يتم مواصلة رفع السقف مع رصد ردود فعل الناس والتصرف وفقا لذلك
علي الشهابي: يتم مواصلة رفع السقف مع رصد ردود فعل الناس والتصرف وفقا لذلك

وقامت محكمة في مدينة جدة الساحلية هذا الشهر بتبرئة مواطن من تهمة نشر مقاطع تسيء للمجتمع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدة أن خطوته كانت “من قبيل النقد وحرية التعبير”، بحسب ما أوردت وسائل إعلام سعودية. وكتبت صحيفة عكاظ أن “حرية التعبير مكفولة”.

ولقي هذا الحكم ترحيبا، لكن ما زال هناك ناشطون آخرون متهمون يحاكمون بتهم أخرى مثل الإضرار بأمن واستقرار المملكة وسلمها الاجتماعي، والمساس باللحمة الوطنية، وفقا لبيان رسمي أعلنته النيابة العامة السعودية في مارس الماضي. وقالت النيابة إنها بصدد إحالتهم إلى المحاكمة.

وهناك تناقضات مشابهة في أمور أخرى أيضا. ففي فبراير الماضي، استدعت النيابة العامة فنانا كوميديا وأجبرته على الاعتذار بعد أن سخر من هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الشرطة الدينية في البلاد، التي تقلّصت صلاحياتها إلى حد كبير.

ويقول مراقبون إن فنانين كوميديين آخرين سخروا من الهيئة من دون أي رد فعل يذكر.

وأغلقت السلطات مقهى في جدة مؤخرا بسبب الاختلاط بين الجنسين. وقد أثار ذلك حيرة المسؤولين عن أماكن أخرى، مع السماح للجنسين بالاختلاط في السنوات الأخيرة، بينما يقول متابعون إن المسألة تخضع في بعض الأحيان إلى الأحكام والتقاليد الاجتماعية للمناطق، حيث تتفاوت وجهة النظر بالنسبة للمحظورات والاختلاط.

وهناك من يربط بالموضوع بتقدير المسؤول نفسه، واعتباراته الشخصية، كما حدث عندما تم اعتقال موظف في أحد الفنادق العام الماضي بعد ظهوره في شريط فيديو وهو يتناول الفطور مع زميلته. وكتب نوح الغامدي في تغريدة على تويتر ”النظام عندنا متناقض” مؤكدا “من الممكن أن تقوم بأمر عفوي ولا يعجب توجهات مسؤول معيّن ويبطش بك”.

ونشر فنان الكاريكاتور السعودي عبدالله جابر في سبتمبر الماضي، رسما حول الخط الأحمر يظهر فيه سعودي يشعر بالارتباك وهو عالق وسط أحجية من الخطوط الحمر، بينما يستجوبه مسؤول.

وأثارت هذه التناقضات أسئلة كثيرة عن السلوك المقبول اجتماعيّا مع سلسلة من الإصلاحات.

وتحاول السعودية منذ تسلّم الأمير محمد بن سلمان منصب وليّ العهد في 2017، تقديم صورة أكثر انفتاحا وتحررا. وقد أجرت المملكة تغييرات اجتماعية مهمة وإصلاحات اقتصادية، أبرزها السماح للمرأة بقيادة السيارة وإعادة فتح دور السينما.

ويحذّر مسؤولون من أن الإصلاحات في مجتمع تغلب عليه النزعة المحافظة أمر محفوف بالمخاطر، خصوصا مع تطلعات الشبان وتزايد الضغوط الاقتصادية.
من جهته، يقول علي الشهابي مؤسس “معهد الجزيرة العربية” في واشنطن إن “الاستراتيجية السعودية تتأرجح بين التشدّد والمرونة”.

ويعتمد رد السلطات عادة على ردود فعل وسائل التواصل الاجتماعي، كما يرى مراقبون.

وبحسب الشهابي فإنه “يتم مواصلة رفع السقف مع رصد ردود فعل من الناس، والتصرف وفقا لذلك”.

ويضيف الشهابي أن “ردود فعل الناس ووسائل التواصل الاجتماعي مؤثرتان، كما ينبغي أن تكونان، وهذا يظهر أن الحكومة تمضي قُدما مع التعامل بحذر في الوقت ذاته”.

وهذا ما ينعكس على الإعلام، فالسعوديون يطالبون الإعلام بأن يكون أكثر مسؤولية من مواقع التواصل الاجتماعي في التعامل مع القضايا الحساسة والوطنية.

Thumbnail

وكتبت الباحثتان إيمان الحسين وسارة المحمدي في تقرير لمعهد دول الخليج العربي في واشنطن أن “الحكومة السعودية قطعت شوطا كبيرا في المضيّ قُدما في مشروع الإصلاح الاجتماعي”.

لكنهما حذرتا أنه “دون تحديد معايير واضحة لما هو مقبول، فإن المنطقة الرمادية قد تتوسع بشكل أكبر وقد تعرض الإصلاحات الاجتماعية للخطر”.

ويشعر كثيرون بالخوف بعد حملات الاعتقال التي طالت نشطاء بارزين، خصوصا مع توجه السعوديين إلى التشدّد وطنيا.

وكان عضو مجلس الشورى عبدالله الفوزان قال العام الماضي إن السعوديين لديهم حق في وصف أحدهم بـ“الخائن” في حال فشله في الدفاع عن بلاده أو اختياره الصمت.

ودفع الخوف والارتباك بشأن الخطوط الحمر بالعديد من الناشطين الليبراليين إلى إغلاق حساباتهم على موقع تويتر، خصوصا أنهم يواجهون باستمرار هجوما من المتابعين وتعليقات ناقدة ولاذعة من الناشطين المحافظين.

وتواجه بعض الناشطات المعتقلات تُهما تتعلق بالحديث مع وسائل الإعلام الأجنبية، إضافة إلى التهم الأخرى، ما عزّز المخاوف من الحديث إلى المراسلين الأجانب المعتمدين.

وقالت كريستين ديوان من معهد دول الخليج العربية في واشنطن إن هذا “قد يأتي بنتائج عكسية”.

وأضافت “هناك خطر في إثارة الشكوك حيال الأجانب في الوقت الذي تسعى فيه السعودية إلى فتح البلاد أمام المزيد من الاستثمارات الأجنبية والسياحية”.

18