حرية التعبير مرة أخرى

الخميس 2018/01/25

عندما كتبنا أن حرية التعبير في فرنسا نسبية، تجري في الغالب بسرعتين، وتأخذ اللون الذي تقتضيه المصلحة ولو كانت ظرفية، في ردّ على من رأى في إلغاء معرض أقامته المكتبة الوطنية التونسية عن المحرقة اليهودية مصادرة لحرية التعبير، عاب علينا بعضهم ذلك، وعدّوه مبالغة. ثم نالنا اللوم نفسه حين كتبنا أن نقد الإسلام والمسلمين – كما يتجلى في كتابات الجزائري كمال داود ورسوم صحيفة شارلي إيبدو- إنما هو عداء عنصري يتستّر بحرية التعبير، رغم أننا أوردنا أمثلة من الواقع الفرنسي نفسه.

أمثلة ليس أقلها الموقف من رسوم الكاريكاتير المسيئة لنبي الإسلام التي اعتبرها الجميع حرية تعبير، ولكن الصحيفة نفسها أنكرت ذلك الحق على أحد صحافييها حينما عزلته بتهمة معاداة السامية، لمجرد أنه علق على اقتران ابن ساركوزي بوريثة أحد الأثرياء اليهود قائلا “هذا الفتى ينتظره مستقبل واعد!”.

أو موقف مانويل فالس، رئيس الحكومة الأسبق، من مقالة تنتقد بشدة ما يروجه كمال داود عن العرب والإسلام والمسلمين، حين أكد أن في ذلك خرقا لمبدأ أساس من مبادئ الجمهورية هو حرية التعبير، ولكنه اعتاد أن يقف موقفا مغايرا من كل من ينتقد إسرائيل، بل إنه صار، منذ زواجه من يهودية، يعتبر انتقاد الصهيونية معاداة للسامية.

وللتأكيد على ما ذهبنا إليه، هذا مثال آخر عن نسبية حرية التعبير، وضحيتها هذه المرة أكاديمي فرنسي هو بسكال بونيفاس مؤسس “معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية” ومديره، فقد ألصق به اللوبي الصهيوني في فرنسا تهمة معاداة السامية لمجرد أنه أصدر قبل خمس عشرة سنة كتابا بعنوان “هل يجوز نقد إسرائيل؟”.

ومنذ ذلك التاريخ والرجل، وكذلك أسرته، قبلة سهام رؤوس الإنتليجنسيا الصهيونية من فريدريك هزيزة إلى برنار هنري ليفي، يدنسون اسمه ويلوثون سيرته لكونه نطق جهرا بما يتهامسه الآخرون في الصالونات الخاصة. ما دفعه أخيرا إلى إصدار كتاب “معادٍ للسامية” جعل عنوانه مطبوعًا كدمغة تتوسط اسمه ولقبه، وقدّم له عالم الاجتماع المعروف ميشيل فييفيوركا، وهو يهودي من أصل بولندي هلك أهله في محرقة أوشفيتز. مقدمة أكّد فيها ما يميز الساحة الفرنسية من عنف كلامي، مشوب في الغالب بالتهديد، يصيب كل من سمح لنفسه بنقد سياسة الدولة العبرية، لأن النشطاء والمثقفين وقادة المؤسسات اليهودية يفضّلون إقصاء الخصم السياسي بدل إقناعه بالحجة.

هذا الكتاب، الذي نفدت طبعته الأولى حال صدوره الأسبوع الماضي، تقابله وسائل الإعلام الكبرى بالصمت الفادح. ثم يحدثونك عن حرية التعبير…

كاتب تونسي

15