حرية التعبير والإعلام في الدستور التونسي الجديد أمام اختبار التطبيق

الثلاثاء 2014/02/11
الخطوة الحاسمة للدولة تتمثل في الالتزام بعدم توجيه تهم تنتهك حرية الصحافة

تونس- شهد الدستور التونسي الجديد المصادق عليه أواخر شهر يناير الماضي تحسنا كبيرا مقارنة بالمشروع الأول الذي تم اقتراحه في يوليو 2012 لاسيما على مستوى حرية التعبير وحماية حقوق الإنسان، واعتبره الخبراء الاعلاميون نقطة تحول مفصلية بالنسبة لتونس.

نظم الائتلاف المدني للدفاع عن حرية التعبير يوم الأحد الماضي ورشة عمل بعنوان الحق في حرية التعبير والصحافة والنفاذ إلى المعلومة في مشروع الدستور التونسي بهدف تسليط الضوء على تجارب الدول الديمقراطية في توفير الضمانات الدستورية لحماية الحق في حرية التعبير والصحافة والنفاذ إلى المعلومة.

وجاء تأسيس الائتلاف المدني للدفاع عن حرية التعبير بقرار من المنظمات المهنية والحقوقية التونسية، من أجل كسب تأييد مختلف مكونات الشعب، وتتمثل الأطراف المكونة لهذا الائتلاف في الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين والنقابة العامة للثقافة والإعلام وجمعية يقظة من أجل الديمقراطية والدولة المدنية والنقابة التونسية للإذاعات الحرة والنقابة التونسية للصحف المستقلة والحزبية ومركز تونس لحرية الصحافة.

وخلال الندوة أكد الخبير القانوني ناجي البكوش على أن حرية الصحافة والتعبير هي حرية في حدّ ذاتها وحماية لبقية الحريات الأخرى، لذلك يجب على الدستور أن ينصّ عليها دون قيود. وأضاف أن كلاّ من هذه الحريات، إلى جانب استقلال القضاء، تمثل جميعها ركائز النظام الديمقراطي ومن دونها لا يمكن التأسيس له، فحرية التعبير والصحافة تمكن من تفادي انحراف السلطة، ومحاولة الحدّ منها تنبئ بعدم الإيمان بالديمقراطية.

يذكر أن عام 2013 شهد في تونس محاكمة العديد من الصحفيين والمدونين والفنانين وغيرهم ممن عبروا عن آرائهم بطريقة سلمية باعتماد أحكام قانونية في المجلة الجزائية تُجرم “التشهير”، و”الاعتداء على موظفي الدولة”، و”الاعتداء على النظام العام” و”الأخلاق الحميدة”، وجميعها تفرض عقوبات بالسجن، أما مستقبلا، فسيكون تنفيذ الفصل 49 حاسمًا لمنع مثل هذه الانتهاكات للحق في حرية التعبير، وتتمثل الخطوة الأولى الحاسمة التي يتعين على الدولة اتخاذها في الالتزام بعدم توجيه أية تهم من شأنها انتهاك الحقوق المكفولة في الدستور.

الفصل 31 ينص على أن حرية الرأي والفكر والتعبير والإعلام والنشر مضمونة، ولا يمكن ممارسة رقابة مسبقة على هذه الحريات

وينص الفصل 127 على إحداث هيئة الاتصال السمعي البصري التي تتولى هيئة تعديل القطاع، وتطويره والسهر على ضمان حرية التعبير والإعلام، وعلى ضمان إعلام تعددي نزيه، حيث تتمتع الهيئة بسلطة ترتيبية في مجال اختصاصها، وتستشار وجوبا في مشاريع القوانين المتصلة بهذا المجال.

وحدد هذا الفصل أعضاء الهيئة، إذ تتكون من تسعة أعضاء مستقلين محايدين من ذوي الكفاءة والنزاهة، يباشرون مهامهم لفترة واحدة مدتها ست سنوات، ويجدد أعضاؤها كل سنتين. لكن الملاحظ أن هذه الهيئة تبقى سلطتها التنظيم والتحكيم في المجال السمعي البصري، ولا تشمل الحقل الإعلامي بأكمله، بخلاف ما كان وارداً في مشروع الدستور، ويشير النص المعدَّل إلى المبادئ التي ينبغي أن تحكم عمل هذه الهيئة، والمتمثلة أساساً في “ضمان حرية التعبير والإعلام، وضمان إعلام تعددي نزيه”، علماً أن السلطة التنظيمية المخولة لها من شأنها أن تتيح لها إمكانية أداء دورها كاملاً في التحكيم بالقطاع السمعي البصري.

كما نص الفصل 32 من الدستور التونسي على أن الوصول إلى المعلومات حق مكفول، ولا يشير إلى أية قيود خاصة، على غرار تلك المنصوص عليها في الفصل 49، ويعد هذا الفصل ذا أهمية بالغة، لأنه يؤصل لأحد الحقوق الملحة في الممارسة السليمة للديمقراطية، كما أنه يؤكد مبدأ الحرص على الشفافية والتداول المتاح للمعلومة للجميع، عدا تلك التي تتعلق بالأمن القومي أو بضرورات قضائية ظرفية.

وينص الفصل 31، الذي يكفل حرية التعبير، على “أن حرية الرأي والفكر والتعبير والإعلام والنشر مضمونة، ولا يمكن ممارسة رقابة مسبقة على هذه الحريات”.

مكونات الائتلاف المدني
◄ الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان

◄ النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين

◄ النقابة العامة للثقافة والإعلام

◄ جمعية يقظة من أجل الديمقراطية والدولة المدنية

◄ النقابة التونسية للإذاعات الحرة

◄ النقابة التونسية للصحف المستقلة والحزبية

◄ مركز تونس لحرية الصحافة

وتعد هذه الصيغة إيجابيةً، إلا أن مفهوم “حرية التعبير” غير معرف بشكل أدق في الفصل 31، ودون اعتماد أية تدابير محددة لتعزيز ذلك، فيجب ضمان هذه الحرية ليس كحق أساسي فقط، ولكن أيضاً باعتبارها دعامة أساسية من دعائم الحقوق الأخرى.

ويقول الدكتور عزالدين عبد المولى، إن من أبرز ما يميز هذا الدستور الذي جاء في عشرة أبواب توزعت على 149 فصلا، أن الباب الثاني الذي يتعلق بـ”الحقوق والحريات”، وعلى مستوى حرية الفكر والتعبير، عزز ما ورد في المبادئ العامة من “أن الدولة تكفل حرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية”، فأكد على أن حرية الرأي والفكر والتعبير مضمونة، ونفس الضمانات توفرها الدولة لحرية الإعلام والنشر والنفاذ إلى المعلومة، إلى جانب حرية البحث العلمي والإبداع الفني والثقافي، دون رقابة مسبقة.

ويقول الدكتور محمد الأمين موسى، أستاذ الإعلام المساعد بكلية الاتصال بجامعة الشارقة، إن الروح الثورية المتطلعة إلى الحرية والانعتاق تبدو جلية في الدستور التونسي الجديد، من خلال التنصيص ضمن الباب الثاني الخاص بالحقوق والحريات على ضمان حرية التعبير بمفهومها الواسع، لتشمل حرية الرأي والتعبير والإعلام والنشر والنفاذ إلى المعلومات وشبكات الاتصال، وذلك في إطار مسؤول لا يمس بحقوق الغير.

وأشار إلى أنه يمكن القول إن الدستور التونسي الجديد يمهد الطريق لإحداث قطيعة مع الممارسات الإعلامية في ظل النظام السابق، ويفتح آفاقا لمجتمع أكثر تعبيرا وتواصلا في حدود المسؤولية والفعالية. وفي هذا السياق يقول ديلوار كريستوف الأمين العام لمنظمة “مراسلون بلا حدود”: “إن أحد الأهداف الرئيسية من الثورة قد تحقق، وهذا الدستور يمثل نقطة تحول لتونس، نحن نشيد بقوة بتحقيق أحد الأهداف الرئيسية لثورة عام 2011، ذلك أن انتهاء العملية الدستورية، التي بدأت غداة انتخابات 23 أكتوبر 2011، يمثل نقطة تحول مفصلية بالنسبة إلى تونس″.

18