حرية التعبير وحواجز احتكار الحقيقة

الثلاثاء 2016/07/05

رغم تطوير مفهوم حرية الرأي والتعبير، واتساع مساحته وقدرته على طرح أفكار ورؤى جديدة، إلا أن محاولة السيطرة عليه أيضا ظاهرة عالمية تتعدد أنواعها وأشكالها بحسب نوع وشكل النظم السياسية والبنى الاجتماعية والاقتصادية. فحرية التعبير عن الأفكار والآراء المتاحة نظريا ليست متاحة بشكل مثالي على مستوى التطبيق، والحدود التي ترسمها الدول لهذه الحرية قد تتغير وفقا للظروف الأمنية والنسبة السكانية للأعراق والطوائف والديانات المختلفة التي تعيش ضمن الدولة، وثمة عوامل كثيرة تحدّ منها أو “تُقَوْننها” حتى في العالم الغربي؛ ففي الولايات المتحدة الأميركية تعلقت حدود حرية التعبير بلون البشرة لفترة طويلة من الزمن، وفي أوروبا مازالت إحدى عشرة دولة تطبق قوانين جنائية على مواضيع مثل معاداة السامية أو الرموز النازية أو إنكار الهولوكست. ولكن مع وجود هذه القوانين التي تقف عائقا أمام حرية التعبير وتقود إلى التشكيك في الحقيقة المراد ترسيخها، فقد سمح بالكثير مما لا تزال الدول العربية تعدّه خرقا لأمنها وتهديدا لوجودها.

مصادرة حرية التعبير لا تقتصر على قوانين الدول والأنظمة، فخاصية امتلاك الحقيقة واحتكارها كانت وما تزال واحدة من ميزات منطقة الشرق العربي التي قدمت للعالم الأديان السماوية الثلاثة وجميع الأنبياء، وأغرقتها النزاعات والحروب عبر الآلاف من السنين، وإن كان استخدام تكفير الآخر وسيلة الصدّ الأولى والأخيرة التي تقف في وجه حرية التعبير ضد المعتقد الديني، باعتبار الأديان على اختلافها تمثل الحقيقة المطلقة والمقدسة المنزّهة عن النقد، والاختلاف مع مكنونات الأديان يخلق حالة دفاعية تتفاوت حدّتها حسب فهم الأفراد وتأثير الدين على حياتهم وتعاملهم مع الآخرين.

وهذا ليس حكرا على الإسلام والمسلمين رغم اتساع الإدانة لهذا الدين دون غيره، نتيجة استغلاله وتوظيفه من قبل السلطات سواء أكانت سياسية أم دينية، ولأن الأديان الأخرى حسمت أمرها، فالغرب المسيحي جعل الدين مسألة تتعلق بالفرد وربه، وهذا انعكس على مسيحيي العالم وإن بشكل نسبي، وأتباع الديانة اليهودية حسموا أمرهم أيضا بالدعوة إلى دولة ثيوقراطية تحالف فيها المتدينون مع اللادينيين على قاسم مشترك هو الأرض والوطن، فإن العالم الإسلامي لم يحسم أمر هويته سواء باقتباس نموذج أو بابتداع آخر.

احتكار الحقيقة ومصادرة حق التعبير عن الرأي يتعديان كونهما قضية دينية ومذهبية، نتيجة ارتباطهما بعملية تطوير الوعي وتراكم المعرفة، أي بزيادة حرية التعبير وحركة الاتصال في ما بين الأفراد والجماعات، وهذا ما لم يتم استنهاضه في هذه الدول، ليبقى الفكر الإلغائي المتطرف الذي اكتسبه أبناء هذه المنطقة من ثقافة الانتماء للقبيلة الذي نجده في دواوين الشعر الجاهلي، من فخر ومدح وهجاء للآخر، يسجّل ميراثه الطويل من التعصب ورفض الآخر، ويشكل جزءا من البناء المجتمعي تاركا أثره، وإن بمستويات مختلفة، على التفكير والممارسة الدينية والطائفية وحتى السياسية.

فالعقل السياسي بتركيبته الراهنة مازال يعيش افتقاره لقبول الآخر كمرتكز للحوار والحرية الفكرية وكأساس لديمقراطية المجتمعات، وحتى التجربة العلمانية التي استهلكها الشرقيون منذ عصر النهضة والتي تحركت في دائرة القومية والماركسية والاشتراكية وغيرها، كانت تتخذ الأسلوب الديني نفسه، من خلال قاموس مغاير يعطي النتيجة عينها في احتكار الحقيقة ونفي الآخر وإصدار الأحكام على حداثة وعلمانية البشر، بدل النظر للواقع وابتكار الجديد وخلق قواعد الحوار.

القطيعة مع الآخر وتكفيره دينياً أو سياسياً وعدم قبول حقه في التعبير مشكلة مشرقية متأصّلة لن تساهم في إنتاج معرفة نوعية أو تقدم حقائق موضوعية تحترم عقل الإنسان، إنما تجعل العقائد متشابهة باحتكارها للحقيقة، وتبني حواجزها التي تقف عائقا أمام بناء مجتمع مدني متعايش يعامل فيه الإنسان وفقا لإنسانيته.

كاتبة سورية

8