حرية الصحافة في الجزائر تتسع إذا تماشت مع المصالح السياسية

ينظر الوسط الإعلامي إلى مسألة الإفراج المفاجئ عن الصحفي عبدالسميع عبدالحي، على أنه أحدى أذرع السلطة للترويج لتغييراتها في البلاد، وذلك بعد تجاهلها للمطالبات المحلية والدولية بإجراء محاكمة عادلة.
الأربعاء 2015/09/30
انتقاد السلطة يعرض وسائل الإعلام للمساءلة في الجزائر

الجزائر - أفرجت السلطات الجزائرية عن الصحفي عبدالسميع عبدالحي، بعد 26 شهرا من الاعتقال، قضاها دون محاكمة بتهمة تهريب الإعلامي هشام عبود مدير يوميتي “جريدتي” الناطقة بالعربية و”مون جورنال”، إلى تونس.

وتفاجأ المتابعون في الجزائر لقرار إطلاق سراح الصحفي عبدالسميع، الموقوف في سجن بئر العاتر بمحافظة تبسة، مع رفض الحكومة لجميع المطالبات المحلية والدولية بالإفراج عنه، عقب الضجة التي أثارها الإعلامي عبود (ضابط المخابرات الأسبق)، في صحيفتيه، بسبب نشره أخبارا عن صحة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة خلال فترة علاجه بفرنسا، مما أدخله حينها في صراع مع السلطة اضطره إلى الفرار إلى فرنسا عبر تونس.

وأكد مصدر من عائلة الصحفي عبدالحي عبدالسميع بمحافظة تبسة (600 كلم شرقي العاصمة)، في اتصال مع “العرب”، مغادرة إبنها السجن، وتحفظ المصدر على ذكر تفاصيل أو خلفيات قرار الإفراج، وهو الخبر الذي كشف عنه في وقت سابق من قبل المحامي محمد قواسمية، لمواقع إخبارية محلية معللا القرار بكونه “أوامر من السلطات العليا للبلاد”، دون أن يشير إلى مستوى السلطة أو صاحب القرار.

واستغرب المحامي من قرار الإفراج عن موكله، بطريقة مفاجئة، خاصة بعد تقدمه بثمانية طلبات لإطلاق سراح عبدالحي، والتي قوبلت كلها بالرفض، مشيرا إلى أن قرار المحكمة ليس قانونيا بل هو“سياسي” محض. واعتبر قواسمية أن سجن موكله دون محاكمة، يعد إجراء تعسفيا في حق الصحفي عبدالحي، موضحا أن السجن المؤقت في القانون الجزائري لا يتجاوز أربعة أشهر كأقصى حد.

وأكد أن القضية أخذت أبعادا سياسية، بحكم انتماء موكله إلى حقل الإعلام، وارتباطها بقضية سياسية محضة بطلها ضابط استخباراتي سابق وإعلامي وناشط سياسي معارض، معروف بمواقفه وتصريحاته تجاه السلطة، وعليه فإن الحل كان “سياسيا”.

وأخذت قضية توقيف الصحفي عبدالحي عبد لسميع، اهتماما ولغطا كبيرين داخل الوسط الإعلامي بعد قضائه 26 شهرا رهن الاعتقال دون محاكمة، ودخوله في إضراب عن الطعام رغم إصابته بأمراض مزمنة، بسبب رفض هيئة المحكمة المختصة إفادته بالحرية المشروطة أو برمجة قضيته للمرافعة، الأمر الذي أثار انتقادات حقوقيين وناشطين، وكان آخرهم النائب البرلماني حسن عريبي، الذي توجه بسؤال شفهي لوزير العدل طيب لوح حول المسألة.

كما وجهت “مراسلون بلا حدود” مطالبات عديدة للسلطات الجزائرية بإجراء محاكمة عادلة ومنصفة تتيح للإعلامي الدفاع عن نفسه.
لوسي موريون: الاحتجاز دون محاكمة ينتهك حقوق الصحفيين الأساسية

وقالت لوسي موريون، مديرة البرامج في منظمة “مراسلون بلا حدود” إن “الاحتجاز دون محاكمة ينتهك حقوق الصحفيين الأساسية، بما في ذلك الحق في الحرية والمحاكمة العادلة”.

وتعود قضية الصحفي العامل في الإذاعة المحلية الحكومية بمحافظة تبسة الحدودية مع تونس، والمتعاون حينها مع صحيفة “جريدتي” التي كان يديرها الإعلامي المعارض هشام عبود، إلى حملة الانتقادات الشديدة التي وجهتها الصحيفة للسلطة عام 2013 على خلفية ما أسمته بـ “التعتيم

على صحة الرئيس بوتفليقة، ووقوع البلاد برمتها رهينة شقيقه ومستشاره سعيد بوتفليقة”، الأمر الذي أوقعه تحت طائلة المتابعة القضائية بتهم “تهديد الأمن العام ووحدة البلاد”، وأمام مخاوف المحاكمة غير العادلة فر هشام عبود إلى فرنسا مرورا بتونس على الحدود البرية، بمساعدة الصحفي عبدالحي عبدالسميع الذي سهل له المهمة كونه من أبناء المنطقة، حسب الروايات الرسمية ومنطوق التهم التي وجهت للصحفي.

وفي المقابل نفى هشام عبود الرواية الرسمية والتهم الموجهة للصحفي واعتبرها “باطلة”، وصرح بأنه سافر من الجزائر إلى تونس برا بطريقة رسمية، وقال إن جواز سفره يحمل ختم شرطة حدود البلدين.

وأكد عبود أنه التقى عبدالسميع بالفعل قبل خروجه من البلاد، موضحا أن ذلك لا يبرر قرار اعتقاله، مضيفا أن هذه القضية سياسية وأن السلطات الجزائرية تحاول استهدافه و”تشويه” سمعته من خلال احتجاز زميله الصحفي. وعلق الإعلامي الجزائري مروان الوناس، والذي سبق ونظم حملة جمع التوقيعات لمطالبة السلطة بتوفير محاكمة عادلة لعبدالسميع عبدالحي، أن الإفراج المفاجئ للصحفي مجرد “قرار سياسي” جاء في ظل التعديلات التي تشهدها البلاد على مستوى المؤسسة الأمنية والعسكرية.

ولا يستبعد مراقبون أن يكون إطلاق سراح الصحفي الموقوف منذ أغسطس 2013 دون محاكمة يندرج في إطار عفو رئاسي دأب عليه الرئيس بوتفليقة عشية مختلف المناسبات الدينية والقومية، حيث يطلق خلالها سجناء من مختلف الفئات والتهم، لكن القرار لا يخلو من دعاية سياسية موجهة لوسائل الإعلام تندرج في إطار الترويج الإعلامي للتغييرات الأخيرة في هرم المؤسستين الأمنية والعسكرية، وتستهدف التلميح بأضفاء الطابع المدني على الدولة.

وكما هو منصوص عليه في المادة الـ123 من قانون الإجراءات الجزائية، فإن “الحبس المؤقت إجراء استثنائي”، مما يعني أن شروط تطبيقه ليست واضحة في هذه الحالة.

يذكر أن الجزائر تحتل المركز الـ119 بين 180 دولة في التصنيف العالمي لحرية الصحافة الذي نشرته “مراسلون بلا حدود” هذا العام.

18