حرية الصحافة.. ولكن بحدود وقيود

الأربعاء 2015/05/06

الثالث من مايو من كل عام هو اليوم العالمي للاحتفال بالمبادئ الأساسية لحرية الصحافة، وتتم فيه مراجعة واقع العمل الصحفي في العالم، وتأكيد ضرورة حماية وسائل الإعلام من التعدّي على استقلالها وتعزيز حرية التعبير وتطوير القطاع الإعلامي وتوفير إمكانيات الوصول إلى المعلومات والمعرفة، وتخليدا لذكرى الصحفيين الذين فقدوا حياتهم خلال ممارسة مهنتهم ولعل الرقم الأكبر لشهداء الإعلام في العالم هو في العراق، حيث “فقد ما يقارب من أربعمائة صحفي حياتهم في العراق منذ عام 2003”، حسب وثائق نقابة الصحفيين العراقيين.

ومن أجل تعزيز دور وسائل الإعلام في تحقيق المصالحة الوطنية وزيادة سلامة الصحفيين. وبمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، تم في بغداد قبل أيام توقيع اتفاقية بين نقابة الصحفيين العراقيين ومنظمة اليونسكو، وكما قال اكسل بلات، ممثل اليونسكو في العراق “هذه الاتفاقية تعطينا أساسا متينا جدا لضمان بيئة إعلامية حرّة ومستقلّة وقائمة على التعدّدية، وهذا شرط مسبق لضمان أمن الصحفيين أثناء تأدية مهامهم، في ظل الوضع الأمني المتردي في العراق والذي حدّ بشدة من قدرة وسائل الإعلام على العمل بأمان وبطريقة غير حزبية في التغطية الإخبارية المراعية لحساسية النزاعات”.

ويبدو لي أن إشكالية سلامة الإعلاميين أصبحت أكبر من الحديث عن حرية التعبير والوصول إلى المعلومات، فقد أصبحوا مستهدفين لمجرد كونهم إعلاميين، وأصبح من هموم الصحفيين الإفلات من العقاب، الإفلات من أعمال العنف ضدهم ميدانيا، والإفلات من محاسبتهم عمّا كتبوا وطريقة تغطيتهم للأحداث التي يكتبون عنها..

وربما يتحمل بعض الصحفيين شيئا من المسؤولية في تعرضهم للخطر، بظهورهم كما لو أنهم إلى جانب هذا الطرف أو ذاك من أطراف النزاع.. وبذلك تلعب وسائل الإعلام دورا مقصودا أو غير مقصود في النزاعات الطائفية أو الحزبية المسلحة وغير المسلحة، فتظهر بعض وسائل الإعلام وكأنها تحرّض على العنف أو الطائفية أو التطرف الحزبي من خلال تقديم تقارير منحازة، فينظر إليهم على أنهم أطراف في النزاع ممّا يزيد الخطر على حياتهم فيصبحون هدفا لخصوم الطرف الذي يبدو وكأنهم إلى جانبه في تقاريرهم وأخبارهم وتحقيقاتهم الإعلامية.

وإن نجا الصحفي من الاستهداف الدموي، إن كان في ساحات المعارك أو الاغتيال أو التفجيرات، فإنه قد يتعرض إلى التهديدات السياسية أو المضايقات الاقتصادية أو الملاحقات القانونية التي تقام ضده بسبب ما كتب أو نشر ضد شخص أو مؤسسة أو دائرة أو جهة معنوية. وهكذا يكون الصحفي عرضة للمسائلة والمطاردة خاصة إن كان صاحب موقف أو رأي.

وبالرغم من التطور التكنولوجي والذي ألغى الحدود الإعلامية عالميا، لا زالت بعض الحكومات تؤمن بالرقابة والمسموح والممنوع وتسعى إلى تكميم الأفواه عبر تقليص الحرية الصحفية من خلال المساءلة أو الترهيب والترغيب إذ يخاف النظام العربي من مشاركة المواطن في عملية صياغة وبلورة قضايا أمته، والتي هي قضايا مصيرية تهمه بشكل مباشر.

ولعل التبرير لتضييق مساحات الحرية والتنفس الإعلامي الصحفي والقيود والحدود المفروضة عليها، كان بداعي الحفاظ على الأنظمة الشمولية التي تختزل كل شيء فيها ولا شيء سواها. وهذا لا ينطبق فقط على البلدان العربية التي تعيش اضطرابات سياسية أو نزاعات مسلحة بل إن حرية الصحافة والتعبير كانت وما زالت مقيدة ومحددة في معظم البلدان العربية، باستثناء بعض الفترات القصيرة من التساهل والتسامح، فالضغوط على وسائل الإعلام وتقييد حرية الرأي والتعبير من شيم الأنظمة ومن لا يفعلها فلسبب مؤقت ينطبق عليه قول المتنبي: والظلمُ من شيمِ النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلمُ.

18