حرية الصحافة وهم كشفت زيفه الاحتجاجات في لبنان

صحافيون لبنانيون يتعرضون لإهانات لفظية وجسدية وتهديدات بالقتل خلال تغطية تحركات الشارع اللبناني المناهض للحكومة.
الاثنين 2019/12/09
ريما حمدان: شعار المحطة هويتنا

منذ عقود يعتبر لبنان بلدا يتمتع بحرية التعبير والصحافة خصوصا عند مقارنته بجيرانه، لكن اليوم يتعرض الصحافيون اللبنانيون لشتى أنواع الانتهاكات والتهديدات خلال تغطيتهم الاحتجاجات الشعبية ضد الفساد الحكومي التي انطلقت في أكتوبر الماضي، وباتت تصنّف وسائل الإعلام كما السياسة، إما مع وإما ضد وعليها تحمّل مسؤولية هذا التصنيف.

بيروت - يواجه الصحافيون اللبنانيون تهديدات ومضايقات واسعة النطاق في عملهم، بما في ذلك الإهانات اللفظية والجسدية، وحتى تهديدات بالقتل، خلال عملهم في تغطية الاحتجاجات المناهضة للفساد الحكومي، على الرغم من السمعة الجيدة لحرية التعبير في لبنان.

واندلعت المظاهرات اللبنانية في 17 أكتوبر بسبب تدهور الاقتصاد والوضع المعيشي، والتي تطورت بسرعة لتصبح المطالب الإطاحة بالنخبة السياسية الحاكمة بأكملها، ولأن وسائل الإعلام المحلية تمثّل غالبيتها المصالح الطائفية التي يتطلع المتظاهرون إلى الإطاحة بها، بات يتم التعامل معها على أنها إما مؤيدة وإما معادية للاحتجاجات، مع شعور بعض الصحافيين أن الضغوط عليهم تجبرهم على ترك عملهم بسبب الخلافات حول التغطية الإعلامية.

وربما يبدو هذا الواقع مفاجئا، إذ لطالما اعتبر لبنان بلدا مثالا للصحافة الحرة في العالم العربي، منذ عقود. إذ أنه رغم السياسة اللبنانية المنقسمة، كان لدى العاملين في مجال الإعلام نطاق واسع للتعبير بحرية عن آرائهم، على عكس الدول الأخرى في المنطقة حيث تخنق الدولة وسائل الإعلام.

نوال بري: لبنان هو بلد الحريات، كيف يمكن لصحافي أن يعمل وهو يتعرض للضرب والإذلال
نوال بري: لبنان هو بلد الحريات، كيف يمكن لصحافي أن يعمل وهو يتعرض للضرب والإذلال

وجاءت الاحتجاجات اللبنانية لتغيّر هذه النظرة، حيث بدأت مضايقة الصحافيين منذ اندلاعها. فتعرضت نوال بري مراسلة تلفزيون “إم.تي.في”، لهجوم في وسط بيروت من قبل أنصار حزب الله وحلفائه الذين حطموا الكاميرا وسرقوا الميكروفون الذي كانت تمسك به وبصقوا عليها وركلوها في ساقها.

وتقول بري، “لبنان هو بلد الحريات والديمقراطية، كيف يمكن لصحافي أن يعمل وهو يتعرض للضرب والإذلال؟”.

ويُنظر إلى قنوات تلفزيونية مثل “إم.تي.في” على أنها تدعم مطالب المحتجين بإسقاط النظام السياسي الطائفي في لبنان لإنهاء عقود من الفساد وسوء الإدارة. وتعرض المحطات التلفزيونية والصحف المنافسة الاحتجاجات وتصفها بالمؤامرات المزعومة لتقويض حزب الله وحلفائه. والعديد من هذه المنابر يديرها حزب الله والتيار الوطني الحر للرئيس ميشال عون ورئيس حركة أمل البرلمانية، نبيه بري. وتقوم هذه المحطات بانتظام بشجب المتظاهرين بسبب إغلاقهم الطرق، وتصفهم بأنهم “قطاع طرق”.

وترى نوال بري، أن وضع البيئة الإعلامية تدهور مع استمرار الاضطرابات. وفي ليلة 24 نوفمبر، بينما كانت تغطي الصدامات بين المتظاهرين وأنصار حزب الله وحركة أمل على طريق مركزي في بيروت، طاردها أنصار الجماعات الشيعية إلى مبنى اختبأت به حتى جاءت الشرطة ورافقتها. وقالت بري “كنت أقوم بعملي وسأواصل القيام بذلك. لقد مررت بفترات أسوأ وتمكنت من التغلب عليها”، مضيفة أنها تأخذ استراحة قصيرة من العمل بسبب ما مرت به مؤخراً.

كما استهدف أنصار حزب الله الإعلامية ديما صادق، التي استقالت الشهر الماضي من عملها كمذيعة في قناة “إل.بي.سي”، وألقت باللوم في ذلك على مؤيدي حزب الله لسرقة هاتفها الذكي أثناء تصوير الاحتجاجات، وقالت إن المضايقات أعقبتها إهانة وتهديد بالمكالمات الهاتفية لأمها، التي أُصيبت بجلطة دماغية نتيجة للإجهاد.

وتقول صادق، التي تنتقد حزب الله، “لقد اتخذت قرارًا بأن أكون جزءًا من الاحتجاجات، وأن أتابعها. لقد كنت أنتظر هذه اللحظة طيلة حياتي، وكنت دائماً ضد النظام السياسي والطائفي والفاسد في لبنان”، مضيفة أنها تعرّضت للتنمّر الإلكتروني طوال السنوات الماضية.

وتابعت، بعد فترة من مشاركتها في مظاهرة بوسط بيروت “أعرف جيدًا أن هذا سيكون له تداعيات على حياتي الشخصية والمهنية. لكنني سأذهب إلى النهاية بغض النظر عن الثمن”.

كما استهدف محتجون، الصحافيين الذين يكتبون في منافذ موالية للحكومة. فقد قام عمال محطة “أو.تي.في” التلفزيونية الموالية لعون بإزالة الشعارات الخاصة بهم من المعدات لفترة وجيزة أثناء تغطية المظاهرات لتجنّب الإساءة اللفظية والجسدية.

وقالت ريما حمدان، صحافية بقناة “أو.تي.في” “لقد أدّت حركة الاحتجاج إلى قلب حياتنا رأسًا على عقب”، حيث ضربت أحد الرجال في المظاهرات على يده بعد أن وجّه إصبعه الأوسط إليها. وقالت إن شعار المحطة “هو هويتنا على الرغم من أنه في بعض الأحيان كان علينا إزالته من أجل سلامتنا”.

ويقول أيمن مهنا، مدير مؤسسة سكايز للرقابة الإعلامية في بيروت “يحدث هذا كثيرًا في لبنان لأن بعض المؤسسات الإعلامية مسيّسة. لا أحد يرى المؤسسات الإعلامية كما هي بل يعتبرونها تمثّل المجموعة السياسية التي تمتلكها”.

وأضاف مهنا “المشكلة الأكبر في ما يتعلق بهذه الانتهاكات هي عدم وجود عقوبة”. وأضاف أن السلطات عادة ما تفشل في التصرّف حتى عندما تحدّد هوية من يقف وراء الهجمات على الصحافيين.

كما أدّت تغطية الاحتجاجات إلى استقالة عدد من الصحافيين في واحدة من أبرز الصحف اللبنانية، وهي الأخبار التي تعتبر قريبة من حزب الله، ومحطة “الميادين” التلفزيونية، التي تتماشى بشكل وثيق مع سياسات إيران وسوريا.

وقالت جوي سليم، التي استقالت من منصب كاتب الثقافة في صحيفة الأخبار بعد أكثر من خمس سنوات، إنها فعلت ذلك بعد شعورها “بخيبة أمل” من التغطية اليومية للمظاهرات. وأصدرت سليم مقطع فيديو نشر على وسائل التواصل الاجتماعي سخرت فيه من أولئك الذين يتهمون المتظاهرين بأنهم عملاء أميركيون.

واستقال أيضا سامي كليب، وهو صحافي لبناني بارز له العديد من المتابعين في الشرق الأوسط، من قناة “الميادين” الشهر الماضي. وقال إن السبب وراء استقالته هو أنه “أقرب إلى الناس من السلطات”. وذكر كليب “الإعلام اللبناني يشبه السياسة في لبنان حيث يوجد انقسام بين محورين: أحدهما يدعم فكرة نظرية المؤامرة، والآخر يدعم حركة الاحتجاج بالكامل بمزاياها وعيوبها”.

18