حرية الفتاة في اختيار الزوج تأخذ منحى تصاعديا بالدول العربية

تنامي الوعي الأسري في اختيار الفتاة لشريك حياتها يجنبها التعاسة، وأكثر من نصف النساء العربيات أصبحن يخترن أزواجهن.
الجمعة 2018/09/14
شجاعة الفتيات ساعدت على التغيير

حملت فعاليات المؤتمر الإقليمي السنوي للاتحاد النسائي العربي العام، الذي اختتم أعماله الخميس في العاصمة المصرية القاهرة، بوادر إيجابية نحو تغير ثقافات وعادات أكثر الأسر العربية في ما يتعلق بآلية اختيار الفتاة لزوجها، والتراجع اللافت في التدخل  في قراراتها المرتبطة بالموافقة أو رفض الشاب الذي يتقدم لخطبتها بعيدا عن إرغامها على الإرتباط به.

وخلصت الدراسة التي أعدّها الاتحاد في 6 دول عربية، وهي مصر والجزائر والبحرين والسعودية وتونس والسودان، إلى أن حرية الفتيات في اختيار شريك الحياة دون تدخل أسرتها، تأخذ منحى تصاعديا، في مؤشر يعكس تنامي الوعي الأسري تجاه حقوق المرأة في تحديد الطريقة التي تؤسس بها أسرتها مستقبلا مع شريك حياتها.

وأكدت الدراسة، أن أكثر من نصف النساء العربيات أصبحن يخترن من سيتزوجن، وهناك 12 بالمئة اخترن شركاء حياتهن باستقلالية تامة دون تدخلات الأسرة، فيما تستشير 58 بالمئة من الفتيات أسرهن، وتحتفظ كل واحدة بحق الكلمة الأخيرة في المتقدم لخطبتها، بقبوله أو رفضه.

وذهب خبراء وممثلون للدول الست بالمؤتمر، الذي نظمه الاتحاد النسائي بالتعاون مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة، وهيئة “بلان” الدولية، إلى أن هذه النسب مؤشر إيجابي لتأسيس أسر مستقرة لا تعرف الانقسامات ولا تتعرض لخطر الطلاق، بعكس الأسر التي تقوم على تزويج الفتاة بالإكراه من جانب الأهل دون احترام رأيها.

12 بالمئة من النساء العربيات اخترن شركاء حياتهن باستقلالية تامة دون تدخلات الأسرة

وقال هؤلاء، إن البحوث التي أجريت في بعض البلدان العربية، أكدت شجاعة الفتيات في التعبير عن آرائهن عند اختيار شريك الحياة، ما ساعد على تغيير ثقافة وتقاليد أكثر أسرهن، في مؤشر يبرهن أن تغيير معتقدات الأسر في المجتمعات الشرقية بشأن التعامل مع زواج أبنائهن، يجب أن يبدأ من الفتاة تدريجيا دون صدام.

وشاركت نحو 600 فتاة من كل بلد من الدول العربية الست، في إبداء آرائهن باستطلاعات الرأي التي أجراها اتحاد النساء العربي، وكانت تتحدث حول “التمكين الاقتصادي للمرأة العربية.. هدف وقياس”، وحظي التركيز على طريقة تزويج الفتيات العربيات باهتمام واسع من أسئلة البحوث التي أجراها الاتحاد.

وتعني الأرقام أن بعض الأسر في المجتمعات العربية أدركت خطورة إرغام الفتاة على الزواج من شاب لم تختَره، أو تبدي رأيها في أن يشاركها حياتها الزوجية والأسرية، وما يترتب على ذلك من وصول الأمر إلى انفصال جراء غياب التوافق بين الطرفين، وهو أحد الأسباب الرئيسية لارتفاع نسب الطلاق.

ويرى باحثون، تحدثوا خلال جلسات المؤتمر، أن اتساع دائرة الطلاق في بعض المجتمعات، وزيادة معدلات قضايا الخلع من جانب النساء لأزواجهن نتيجة عدم التوافق بين الطرفين، بعث برسائل تحذيرية للأسر التي تجبر فتياتها على الزواج من أشخاص بعينهم، حتى وإن كان هناك خلاف جذري في الشخصية والطباع.

وأكدت هبة الشواربي، أستاذة الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، خلال عرضها نتائج الدراسة، أن هناك مؤشرات مرضية لاحترام بعض الأسر العربية قرارات فتياتها بشأن اختيار شريك الحياة، وهي ثقافة جديدة تعكس تطور الثقافة الأسرية وتخلي فئة من الآباء عن تقرير مصير أبنائهم في الزواج.

ويبدو أن التطورات المتسارعة في بعض المجتمعات نجحت في إقناع الأسر بأنه لا أمان لزواج يقوم على الإكراه، واستمرار العادات الجاهلية بالتعامل مع الفتيات باعتبارهنّ غير مؤهلات لإبداء آرائهنّ، يمهد الطريق أمام تعاسة حياتهنّ الأسرية مستقبلا نتيجة إكراههن على الزواج من رجال لا يرغبن فيهم.

ارتفاع نسب عزوف الآباء عن التدخل في اختيارات أبنائهم عند الزواج، يعكس التغير الجذري في عادات أكثر الأسر

وتقع أكثر الفتيات في المجتمعات العربية التي تتمسك بعادات وتقاليد ومورثات قديمة عند الزواج، في مأزق حقيقي، يرتبط بشعورهن بالتورط في الارتباط بأشخاص غير مناسبين لهن، من حيث التوافق الفكري والثقافي والاجتماعي والنفسي، وأكثرهن يتعرضن لضغوط أسرية للموافقة على الزواج دون احترام رغباتهن.

وقالت إنشاد عز، أستاذة علم الاجتماع بجامعة حلوان، جنوب القاهرة، إن ارتفاع نسب عزوف الآباء عن التدخل في اختيارات أبنائهم عند الزواج، يعكس التغير الجذري في عادات وتقاليد أكثر الأسر، وإدراكها بخطورة التمسك بثقافات قديمة لم تجن سوى الخراب على الحياة الزوجية لفتياتهم.

وأضافت لـ”العرب”، أن الخلافات السريعة والطلاق بين الشباب حديثي الزواج، يرجع أهم أسبابه إلى إرغام الفتيات من جانب أسرهن على الارتباط بأشخاص دون قناعة كاملة، إمّا لخشية وصمهن بالعنوسة وإمّا لغرض المال والنسب بعائلة ذات وجاهة اجتماعية، وهو الخطر الذي أدركته بعض الأسر وبدأت تغير من تقاليدها.

وتتنوع أساليب إكراه الفتيات على الزواج في مجتمعات عربية، بين تمسك بعض الأسر بعدم ارتباط النساء بأشخاص من خارج العائلة، أو تزويجهن لأسباب اقتصادية للتخلص من أعبائهن، فضلا عن تبرع آباء بالموافقة على المتقدم للخطبة دون احترام لرأي ابنته بذريعة أنه أكثر خبرة منها في تحديد من الشاب الذي يناسبها.

ويرى خبراء أن تخلي بعض الأسر عن الاستئثار بحق تزويج الفتاة بالإكراه يرتبط بالتغيرات الاجتماعية ذاتها، من حيث زيادة تحرر الأجيال الجديدة من القيود الأسرية، بالتوازي مع وجود آباء من أصحاب العقليات المتحضرة تسمح لأبنائهم بإبداء آرائهم، بعكس الأجداد من غير المتعلمين الذين كانوا يتعاملون مع هذا الأمر باعتباره من الكبائر.

وحسب دراسة سابقة لمحكمة الأسرة المصرية، فإن 52 بالمئة من المطلقات، أقدمن على الانفصال نتيجة زواجهن على غير قناعة كاملة، إمّا نتيجة ضغوط أسرية وإمّا بدافع الهروب من شبح العنوسة، ما يحتّم على الأسر الاقتناع بأن إرغام الفتاة على الزواج من شخص لم تختره، يعني إلقاءها في الجحيم، واحترام قرارها يقودها لبناء شخصيتها وتحمل مسؤولية اختيارها لشريك حياتها.

21