حرية المخيلة وضرورات الحياة

الاثنين 2016/03/07

قطرة الحبر، وفرشاة الرسام، وأصابع العازف، وحنجرة المغني، ولغة الشاعر؛ نداءات أرواحنا المحاصرة أو المفجوعة وهي تطالب بمديات أكبر تتسع لصراخها الجميل، أو حريتها الشرسة، أو لعبها العابث الخلاق مع اللغة أو الحجر أو اللون، أو الوتر المشدود برهافة، لا بدّ لها جميعا من فسحة ما، لا بدّ لها من حرية البراري لكي تستوعب صهيلها الصافي، وتبارك تمرّدها على الأقفاص.

كان العمل الوظيفي ولا يزال أكثر الأقفاص ضيقا، وربّما جرّب معظمنا ذلك القفص يوما ما، أو كان قريبا منه بهذا الشكل أو ذاك، وربّما عثر بعضنا على فرصته للإفلات منه، أو التحرر من سطوته، بالهرب أو الاستقالة أو الانتقال إلى عمل أقرب إلى فضاءات الأدب أو الثقافة، كالعمل في الصحافة أو الإعلام، أو العمل الحرّ مثلا. لقد كانت قيود الوظيفة ثقيلة الوطأة، وكأنها مخالب الدولة الأولى لترويض الفرد، وتعليمه فروض الطاعة والامتثال، وهي الاستغلال الحكومي الأبشع لضرورات العيش، التي تُسلَّط على الناس، لكسر تمايزاتهم الفردية وقمع نزوعهم إلى التساؤل أو الاعتراض، وتحويلهم إلى نسخ بشرية متشابهة.

هل يمكننا أن نتخيل شاعرا مثل الجواهري، أو نزار قباني، أو أدونيس، أو سركون بولص، أو محمود درويش، مثلا، وهو يعمل موظفا حكوميا تقليديا؛ يحمل الأضابير من غرفة إلى أخرى، مثيرا وراءه عاصفة من الغبار والتذمر، أو يغرق في رائحة الملفات الرطبة، وزحمة المراجعين؟

هل يمكننا أن نتخيل أيّا من هؤلاء في مشهد خارج قدرتنا على التخيل، وهو يصغي مرتجفا إلى توبيخ رئيسه المباشر، لتأخره عن الدوام الرسمي مثلا؟ هل يمكننا أن نتخيلهم وهم يصطفون صامتين في طابور طويل للتوقيع في سجل الحضور والانصراف؟

لقد رثى سعدي يوسف نفسه، في قصيدته الجميلة “العمل اليومي”، وهو في أيامه الأولى موظفا في وزارة الإعلام بعد عودته إلى العراق في السبعينات. وربما كانت قصيدة سركون بولص “تحولات الرجل العادي” واحدة من أجمل ما قيل عما في العمل الوظيفي من امتهان أحيانا، مع أن الشاعر لم يجرّب الوظيفة يوما، غير أن ما ترسخ في وجدان المبدع أنها ذبول يومي للجسد والروح والموهبة.

الشعر والعمل الوظيفي، أي تضاد فادح بين دلالتين. الوظيفة في الغالب لا تعني إلا الاضطرار في حدّه الأقصى؛ يسحبك حيث الحاجة، وقوت الجسد. أما الشعر فلا مجال له إلا هناك حيث الروح في احتدامها وتلظّيها، وحيث المخيلة في عبثها الجميل بالمنطق الصارم والأشياء واللغة وعادات التلقي.

جورج سانتيانا، الشاعر وعالم الجمال الأميركي، لم يحتمل وهو بين طلابه، نداء عصفور مذعور في يوم عاصف، كان العصفور يتشبث، بغصن مبتل تلعب به الريح، كان ينخفض معه حتى يصطدم بالنافذة، ويرتفع معه ثانية حتى يكاد يذوب في المطر. لم يحتمل سانتيانا هذا المشهد، أية حرية وأية سيولة تنداح خارج نافذته، بعيدا عن رائحة الطباشير، وهواء القاعة؟ فتح النافذة، ومدّ إلى العصفور راحته المفتوحة، ثم أغلقها عليه بحنو بالغ، أي طائر حميم هذا الذي استطاع أن يوقظ في مخيلة سانتيانا حلمه الغافي منذ سنوات، وأن ينتزعه من قاعات الدرس وجفاف الأوراق الامتحانية.

جمع سانتيانا أوراقه، والتفت إلى طلبته مودعا “إنه يناديني…”.

لا بدّ من القول، إن المشكلة لا تكمن دائما في الوظيفة في حدّ ذاتها، فهي ليست نقيضا للإبداع على الدوام، إن المشكلة تكمن في علاقة المبدع بالوظيفة، في طبيعة إحساسه بها، أعني في المسافة التي تفصله عنها، وتمنع تصالحه معها، أو بكلمات أخرى في رفضه للانتماء القطيعي إليها. ألم يكن ت.س إليوت قد أمضى شطرا من حياته موظفا كبيرا في بنك؟ ومع ذلك فإن هذا المثال وسواه لا يخفف من إحساسنا بالتضاد بين الإبداع والوظيفة، إذ تظلّ في أعماق المبدع لوثة رامبوية مستعصية على الشفاء في معظم الأحيان، ويظل فيه شيء من سانتيانا أيضا. لوثتان تجعلانه حالما بالبراري، أو عصيّا على التكيف، أو ناظرا من نافذته على الدوام، إلى طائر مبتلّ لا وجود له.

شاعر من العراق مقيم في الإمارات

14