حريق العراق والدور الخليجي المفروض

الاثنين 2014/06/16

بعيدا عن نظرية المؤامرة التي تقول أن ما يحدث في العراق هو مخطط من قبل رئيس الوزراء المنتهية ولايته، والراغب بقوة في إعادة تنصيبه، وهذه المرة تحت صوارم حشد الجهود ضد “الداعشيون”، الذين أصبحوا وسيلة من لا وسيلة له.

وبعيدا عن سيناريو المؤامرة الآخر، القائل بأن واشنطن هي من رسمت مسار الأحداث لوضع إيران وعملائها في العراق أمام خيارات صعبة، إما التورط في حقل عراك جديد بعد سوريا وبالتالي تقليم أظافرها نهائيا وتمددها في المنطقة، أو التعقل والهدوء ومعرفة أنه بالإمكان قلب الأمور من حكومة تابعة رهينة لها في بغداد، إلى توافق سياسي عراقي يبعد أو يحجّم النفوذ الإيراني في بغداد.

هل وقع العراقيون- سنة وشيعة- في فخ نصب لهم من المالكي أو واشنطن؟ هل اندفعوا يشحذون سكاكين الطائفية المقيتة وتناسوا ما يربطهم ببعضهم؟ هل سمعوا المالكي وهو يهذي بيزيد والحسين في استحضار للكره والحقد والقتل على الهوية، دون أن يغلّبوا صوت العقل، ويعلموا أن المالكي هو من أوقعهم، ومعه ثلة من الطائفيين توالوا على حكم العراق حكموا ببكائيات الحسين، ولم يقدموا للعراقيين سوى فرص اللطم وجلد الذات، بينما الحسابات المصرفية في سويسرا مترعة بأموال فقراء الناصرية والعمارة والبصرة؟

في الوقت الذي يعاني فيه الشعب العراقي من سوء إدارة الحكومات المتعاقبة لبلاد حباها الله بثروات متنوعة، يتفرغ المالكي ومن سبقه لاتهام الآخرين في الخارج والدول المحيطة بأنهم سبب ما يحل في العراق.

وينسى المالكي ومن سبقه أن الغضب الداخلي يتزايد، وأن السياسات الطائفية والتلذذ بالحكم وتوزيع منافعه على المقربين، هو السبب الرئيس لما يحدث للعراق من انقسام وحرب أهلية وضعف وهوان، لدرجة أن غباء المالكي منح الفرصة لتنظيم صغير لا يزيد عدد أنصاره عن ثلاثة آلاف مقاتل من الإطاحة بجيش بلغ قوام أفراده في المناطق التي هرب منها أكثر من مئتي ألف جندي وضابط، خلعوا ملابسهم وهربوا أمام مجموعة من المقاتلين الملتحين.

الحقيقة التي لا يريد المالكي ولا الإعلام الغربي الاعتراف بها هي أن ما حدث ليس داعشيا بالكامل، بل إن داعش جزء يسير من الحراك العراقي الثوري، فجموع الشعب في شمال العراق هبّت نصرة لكرامتها من جيش طائفي متعصب أهان كرامة عرب أقحاح لا يرضون على شرفهم ولا عزتهم.

تحجيم وتصوير الحراك العراقي على أنه من فئة إسلامية متعصبة، فيه الكثير من التجني. وما يزيد المأساة قتامة، أن المالكي يرفع راية الطائفة في غباء سياسي يبشر برحيله قريبا غير مأسوف عليه، وبدلا من أن يجمع الشعب العراقي بكافة مكوناته ضمن عمل وطني جامع مانع، قسم الوطن لقوم يزيد وقوم الحسين، ونسي هذا السياسي غير المحنك أن يزيدا والحسين لن يقاتلا من قبريهما، وأن استمرار اجترار قصة نزاع سياسي مرت عليها قرون لأغراض سياسية منفعية هي وسيلة فاشلة لأنها تقع في عصر تتسابق فيه الأمم نحو تطوير مؤسساتها السياسية لديمقراطية توافقية مجمع عليها شعبيا، لا ديمقراطية مصطنعة لمجتمع تتنازعه نوازع الوقوف إلى صفوف أناس غابت أجسادهم في القبور قبل ألف وأربع مئة عام. لا يزيد ولا الحسين سيقدمان الخبز والعيش الحر للعراقيين ولا لغيرهم. لا يزيد ولا الحسين سيقدمان الدواء والمسكن والوظيفة للشعب العراقي.

كيف يرجو الشعب العراقي من سياسي كالمالكي أو الثلة التي تقف وراءه، أن يقود العراق وهو قد ظهر في مؤتمر صحفي ليعلن أنه يقاتل قوم يزيد نصرة للحسين.

كيف لسياسي يقود عراق الحضارات. عراق بابل وآشور. عراق حمورابي وقوانينه. عراق الزبير والبصرة التي طاف في أزقتها علماء، وتداول في صوامعها فلاسفة ساهموا في دفع الفكر الإنساني للأمام.

كيف لهذا العراق أن يقبل بقيادة طائفي ضحل التفكير غير عارف ولا ملمّ بما يحدث في أرجاء العالم من تطور وتحول وابتعاد عن النصوص الخلافية التاريخية، إلى مختبرات علمية وبحث متقدم يصنع الازدهار لا التخلف والتطبير الذي يمنعه حتى رفيقه في إيران خامنئي.

مشكلة مجتمعاتنا العربية هي وقوفها خانعة أمام شر تنظيمات الإسلام السياسي، فلا فرق بين الإخوان المسلمين ومشروعهم المستحضر من غياهب التاريخ، ولا داعش وبربريتها وتخلفها ووحشيتها، وبين مشروع المالكي المستند إلى الماضي السحيق المملوء بقصص البغض والكره والانتقام.

كيف لشاب عراقي متطلع بروحه المتوثبة نحو قوة وعزة ومناعة وطنه أن يتعلم ويعمل، ورئيس وزرائه يتفرغ ليزيد والحسين وقصة خلاف على الحكم منذ أربعة عشر قرنا، ويسعى لرهن مستقبل وطن وشعب ضمن سياق الانتقام لجريمة حدثت في ذلك التاريخ.

في الجانب الآخر وبينما دول الخليج تحاول إنقاذ نفسها من شرور الإسلام السياسي وتنعم بحالة من الاستقرار بسبب سياساتها غير المراهنة على التاريخ المظلم، ترى قرب حدودها قدومه محملا بغبار صحراء السماوة وعليها أن تستعد لهذه المرحلة، فخطر عظيم قد يجر الخليجيين إلى حرب ضد نظام فوضوي أصبحت تتنازعه وجهتان؛ أولاهما داعش وظلاميتها، وثانيهما المالكي وطائفيته وأدواته كـ”عصائب الحق” التي هي داعش الشيعة.

وأول من سيدفع ثمن الصراع في العراق هي الكويت، التي تقع على بعد كيلومترات قليلة من تزاحم الحرس الثوري الإيراني وأذناب نظام خامنئي. ضجيج طائفي يتمتع بتسهيلات المالكي وفتاوى مراجع وفقهاء يبيعون للناس بضاعة التخلف ولقمة العيش المغموسة بيأس من المستقبل. تجارة لطم مستمر لا تنتج حياة هانئة ولا سلما أهليا ولا تطورا وتقدما، في وقت تذهب فيه الثروات إلى الخارج غير عائدة بلقمة العيش لمتعبي الدجيل.

تتفرغ الكويت، وفي الوقت الذي تقترب النار من أراضيها هذه الليالي، لمماحكات بين أهلها وكأنهم أهل بيزنطة حين كانوا يتجادلون على جنس الملائكة ومدينتهم في طريقها للسقوط في يد عدوهم.

ضجيج كويتي مشبوه ومشاركة حتى من أبناء الأسرة الحاكمة واستثمار إخواني بغيض والعراق عن شمالهم ينطلق إلى أحداث جسام سيدفع الكويتيون ثمنها، والذي حذرنا منه عام 2003 حين طالبنا بعدم نصرة واشنطن في طريقها لهدم النظام في العراق، وما سيسفر عنه من تداعيات سندفع جميعا ثمنها، وهذا ما حدث.

الصمت الخليجي تجاه ما يحدث في العراق أمر يثير الاستغراب، فقد صمتوا سنوات عديدة أسفرت عما نراه اليوم من ارتماء لليائسين مهدوري الكرامة من عشائر السنة بين أحضان داعش.

حاول الخليجيون الوقوف في منتصف الطريق، بينما غيرهم يفعلون ما في وسعهم للتمدد والاستيلاء حتى على أرصفة الطريق العراقي. وسيستمر الأمر إلى وصول الخطر والعنف الى الأراضي الخليجية، إلا إذا وقف الخليجيون لدفع الشر عنهم وعدم انتظار مَقْدم النار لديوانياتهم، بل الذهاب إلى موقع الحريق الحالي وصب ماء تطفئ النيران عبر دعم جبهة عراقية لم تلوث يديها بدماء العراقيين ولا بسرقتهم. جبهة واسعة من سنة وشيعة وكرد لحل يوقف المأساة العراقية. يجب على الخليجيين استعمال نفوذهم في الغرب لتجميع العراقيين وخاصة شرفائهم على مائدة تستنبط الحل، وليست أجندات طهران وأنقرة المتلذذة بالأزمة في العراق ما دامت مستفيدة من عراق ضعيف متناحر يساعد في استنزاف ثرواته وارتهان اقتصاده لدول الجوار.

يجب على الخليجيين أن يقاتلوا في العراق لا عبر داعش وتخلفها، ولا بطاعة ولي الفقيه ومدحه، بل بالوقوف مع الشعب العراقي بجميع مكوناته، والدعوة لـ”مؤتمر طائف” عراقي يضم كافة المكونات السياسية العراقية ويرسي حلا حضاريا لا طائفيا مقيتا.

ينتظر العراق مساعي من يرى فيه بوابة شرقية له، ليس لدفع الشر الصفوي فقط، بل لإقامة بوابة متحضرة قوية بنموه، وبكرامة وعزة واستقرار دولة عشقناها اسمها العراق، قبل أن يصبح العراق سودانا آخر في ظل الصمت العربي المثير للغضب.


كاتب صحفي سعودي

9