حريق سينما عامودا.. مأساة متجددة

الجمعة 2013/11/22

تعرّضت مدينة عامودا الواقعة في الشمال الشرقيّ لسوريا في 13 نوفمبر 1960 لفاجعة تُعرف في الذاكرة الشعبيّة بـ«حريق سينما عامودا»، وكان ريع العروض لدعم ثورة الشعب الجزائريّ ضدّ الاستعمار الفرنسيّ.

شهدت دار سينما شهرزاد ثلاثة عروض على مدار اليوم، وكان العرض الأخير والرابع مساء لتلاميذ المدارس الابتدائيّة في المدينة، وبشكل خاصّ تلاميذ الصفّين الخامس والسادس، وقد شهدت العروض إقبالا كبيرا، وقصدها معظم التلاميذ لأنّ طقس السينما كان مثار إعجاب وافتتان من قبل الأطفال.

الفيلم كان بعنوان «شبح نصف الليل» لفريد شوقي وزهرة العلا، ولم يكن مخصّصا للأطفال، لكن شاءت الظروف والذهنيّة غير التربويّة أن تعرضه للأطفال، ولم تكن دار السينما سوى غرفة طينيّة مستطيلة الشكل، سقفها من الخشب والقشّ، وجدرانها مغطّاة من الداخل بخيش مدهون بموادّ قابلة للاشتعال. وبحسب الوقائع فإنّ تلك المسمّاة تجاوزا سينما لم تكن تصلح حتّى كإسطبل كما يقال في المدينة، لكنّها كانت حينذاك تعتبر في عداد دور السينما.

في العرض الأخير اشتعلت النيران بالسينما، يقال إنّ شرارات خرجت من المحرّك وما لبثت أن اشتعلت بالسقف الخشبيّ والقشّي والجدران الخيشيّة والكراسي الخشبيّة تاليا، أي كلّ ما فيها كان مهيّأ لاشتعال سريع. وما زاد الأمر صعوبة هو الازدحام الكبير للأطفال، ولم يكن هنالك من مخارج سوى مخرج وحيد سدّ لشدّة الازدحام وأغلق الباب الخشبيّ المرتفع عن الأرضيّة، ما أبقى الأطفال محاصرين في الداخل، ولم يكن برفقتهم أيّ من المعلمين ولا المدير، فقط بعض الفنيين الذين لم يتمكّنوا من إنقاذ الأطفال وسط الهياج والجنون والرعب والنار والازدحام.

هبّ أهل المدينة لنجدة أطفالهم، وكانت ألسنة اللهيب تقضي على زهرات قلوبهم وتكوي أفئدتهم، دفع قسم من الأهالي حياته ثمنا لمحاولة إنقاذ الأطفال، وكان في صدارتهم الشهيد البطل محمّد سعيد آغا الدقّوري الذي أنقذ عددا من الأطفال قبل أن تسقط عليه عارضة من السقف وتودي بحياته.

على الصعيد السياسيّ هناك شكوك بالحادثة، إذ هناك مَن يتّهم سلطات الوحدة بافتعال الحريق للقضاء على جيل متعلّم من أبناء المدينة الذين كان أغلبهم من القوميّة الكرديّة، وقد كان معظم الضحايا من الكرد لأنهم يشكلون النسبة الكبرى في المدينة، وكان هناك بعض من العرب والمسيحيين أيضا. وتنشط الشكوك السياسيّة بالقول إنّه كان هناك بوادر يقظة قوميّة ومناهضة لسلطات الوحدة وسياسات جمال عبد الناصر الذي كان يسعى إلى الهيمنة على البلاد وتغيير ديموغرافيتها.

على الصعيد الإنسانيّ تظلّ حادثة حريق سينما عامودا كارثة إنسانيّة بشعة استشهد فيها أكثر من مئتي طفل ظلوا خالدين لدى أرواح ووجدان ذويهم، ولم تبقَ في المدينة أسرة إلّا وانتكبت بشهيد أو محروق أو مشوّه.

كتب عدد من الكتّاب عن حريق سينما عامودا في محاولة للإحاطة بالحدث المروّع وتخليده، منهم الملّا أحمد نامي الذي كان أوّل مَن وثّق الحادثة في كتابه «حريق سينما عامودا» الذي كتبه بالكردية بعد الحريق مباشرة. كما كتب المحامي حسن دريعي الذي رحل قبل أيّام كتابه التوثيقيّ «عامودا تحترق» الذي نشر الجزء الأوّل منه سنة 2005 ولاقى الكثير من التضييق والمساءلة من قبل المخابرات حينذاك، ولم تتسنّ له فرصة نشر الجزء الثاني الذي ينتظر النشر، وكان قد أنهاه سنة 2010، اعتمد فيه على جانب من السيرة الذاتيّة باعتباره كان أحد الأطفال الناجين من الحريق.

شكّلت الحادثّة مأساة في تاريخ المدينة والذاكرة الكرديّة والسوريّة عموما، وقد أهملت سلطات دولة الوحدة آنذاك التحقيق الجدّيّ في الحادثة، وقد واظب نظام البعث والأسد على إهمال التحقيق في القضيّة التي لا تزال مقيّدة ضدّ مجهولين.

14