حريم السلطان

الأربعاء 2014/08/27

كم قالوا لها!

لا تقولي.. لا تفعلي.. تمنـّعي.. تصنـّعي.. لا تتصرفي هكذا.. تصرفي هكذا.. لا تُبدي اهتمامك أمامه.. لا تشعريه بحبك.. اخفي عنه لهفتك عليه.. دثري شوقك بالجليد.. دعيه يضرب أخماسه بأسداسه وهو يحتار بما تبدين وتخفين.. دعيه “يحفى” لاهثاً وراء طيفك مريدا مقبلا غير مدبر.. متمنيا ملبيا طائعا نادما.. اجعليه يحسّ بأنك نجمة في سماء عالية لن يستطيع إليك سبيلا.. فتلك هي شروط الأنوثة!!!

ولكل فعل تفاصيله التي تبدأ ولا تنتهي ولا ينتهي معها الشرح والإيضاح..

فياله من إرث شرقي ثقيل!.. إرث تأصّل في نسائنا ورجالنا معاً.. وبقيت الأمهات والآباء يتناقلونه جيلا بعد جيل.. ويربّون عليه أبناءهم وبناتهم.. حتى لم يعد لمفهوم التحضر من كوة ولو ضيقة يتسلل منها إلى العقول فينيرها ويجدد مفاهيمها ويشذب انفعالاتها وخيالاتها المريضة..

إرث من كبت وسُلطات بقيت أبوية على مرّ العصور.. ولم تفلح أعتى ثورات التكنولوجيا في استئصال جذورها أو حتى تغييرها عن مسارها المرسوم.. ميراث ثقيل تحدّر من عهود الجواري ومؤامرات القصور.. ولذلك فقد جمدت مآقي ملايين المشاهدين والمشاهدات على طول العالم العربي، برغم حروبه وكوارثه ونكباته، أمام شاشات التلفزيون وهم يتابعون مسلسل "حريم السلطان"!

حلقات طالت لتمتدّ شهورا وهي تنقلنا لعالم متخيّل من ترف يزّين أطراف ثوب التاريخ.. ولكنه في الواقع يحاكي حياتنا اليومية التي تزخر بتعليمات "الحريم".. وكأن لا دور للمرأة في عالمنا سوى الإيقاع بالرجل.. فتكون الغلبة للمرأة الأشطر والأدهى والأكثر كيدا وهي تظفر في النهاية بسلطانها دون سواها.. فتتوَّج سلطانة فوق عرش قلبه.. وتتحول الأخريات إلى وصيفات أو خدم أو جوار لها!!

وكم رحبت مجتمعاتنا العربية.. بل استعذبت.. لعبة الجارية والسلطان.. أيا ما كان اللاعب.. ومن أسفل الدرجات في سلم الطبقات الاجتماعية لأعلاها.. من جهلة إلى مثقفين أو خريجين أو بسطاء.. ولو بدرجات! فتتفاوت فكرة "سي السيد" من بيئة لأخرى ولكنها تبقى هي السائدة!

أما المرأة الصريحة العملية.. الجريئة الواضحة.. فلا مكان لتلقائيتها في هذا الخضم.. والمرأة الواثقة المتصالحة مع ذاتها.. تلك التي تعبّر عن نفسها بصدق ولا تخشى أن تبوح بما تحس وما يمليه عليها عقلها ومشاعرها.. فهي إمرأة تحلق خارج السرب.. وأقل ما يمكن أن تناله من تهم هي "اللا أنوثة".. أو التشبّه بالرجال! وهي في النهاية بحاجة لرجل شجاع واثق من نفسه.. متوازن متحضر.. يقدّرها ويحترمها.. وينظر إلى عقلها قبل جسدها.. وإلى قوتها قبل ضعفها.. لكن الرجل العربي، عموماً، يخشى المرأة القوية الصادقة.. فهي تنافسه.. وتنفـّره وتهدد تسيّده وتسلطه.. فالقوة هي قرين الرجولة بحسب موروثه.. ويلتبس مفهوم الأنوثة عنده ما أن تشوبه القوة والصراحة والثقة بالنفس..!

وتلتبس معه المفاهيم:.. فالمرأة تتمنع حتى تخضع لأن الضعف أنوثة!.. وتكيد وتحتال حتى تظفر فقلة الحيلة أنوثة!.. وتوكل أمرها لولي أمرها حتى يأتيها فارسها فالاتكالية وعدم الاحساس بالمسؤولية أنوثة!.. وتغالي النساء فيغدو الصوت الواطئ أنوثة.. والخجل المفتعل أنوثة.. وحتى الغباء وقصر القامة أحياناً يغدو ضربا من ضروب الأنوثة!

فإلى متى ستبقى حياتنا رهن هذا الدرب الأعرج؟ ألم يحن الأوان بعد لنثور على قيمنا البالية فندخل عالم التحضر ولو بمحاولات خجولة؟

21