"حرّاس" الدولة المدنية يفقدون حظوتهم في الشارع التونسي

تشتت العائلة الوسطية يثير مخاوف الدوائر السياسية في تونس خاصة وأن نتائج الانتخابات الرئاسية تعكس نقمة شعبية على الطبقة السياسية قد تنتهي بالبلاد إلى فوضى.
السبت 2019/10/05
استحقاق رئاسي كشف غضب الشارع على الطبقة السياسية

تونس – تواجه العائلة الوسطية في الانتخابات البرلمانية تحديا جديدا بعد أن فشلت في الوصول بأحد مرشحيها إلى الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية. أمام هذا السيناريو لا يوجد خيار، حسب مراقبين، سوى التكتل في جبهة سياسية واحدة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بعد أن تمترست حركة النهضة خلف المرشح الرئاسي للدور الثاني قيس سعيد أملا في الاستفادة من خزانه الانتخابي في الانتخابات التشريعية.

لكن، وفيما بدأ العد التنازلي ليوم الحسم التشريعي لم تظهر أي خطوة تدل على اتعاظ الوسطيين من درس الرئاسيات، وسيخوضون الانتخابات بأكثر من 10 أحزاب. ويتهم أنصار الوسطيين الذين أغلبهم منحوا أصواتهم في انتخابات 2014 لحركة “نداء تونس”، بالفشل في التغيير والخروج من جلباب الحبيب بورقيبة والباجي قائد السبسي وأنهم يشعرون بالأمان لأنهم “حرّاس” الدولة المدنية العلمانية.

وخبا بريق الدعوة، المتأخرة، إلى رص الصفوف بعد أن رفض المدير التنفيذي لحزب نداء تونس حافظ قائد السبسي طلب لقاء رئيس الحكومة يوسف الشاهد، في باريس. وكشفت مجلة ”جون أفريك” الاثنين الماضي رفض السبسي الابن وكذلك رجل الأعمال طارق بن عمار الذي يساند مرشح قلب تونس في الرئاسية نبيل القروي لقاء الشاهد بهدف الاتفاق على تفاهمات داخل العائلة الوسطية.

وأشارت إلى أن طلب الشاهد لقاء هؤلاء يرمي إلى تجاوز الخلافات السابقة استعدادا للانتخابات التشريعية.

ويثير هذا التشتت في العائلة الوسطية مخاوف الدوائر السياسية في تونس خاصة وأن نتائج الانتخابات الرئاسية واستطلاعات الرأي تعكس نقمة شعبية على الطبقة السياسية قد تنتهي بالبلاد إلى فوضى سياسية بصعود أطراف بلا خبرة أو محسوبة على الخارج أو جهات التفت على غضب الشارع من خلال عباءة المستقلين.

صابر العبيدي: بعد الاستحقاق التشريعي يجب توحيد كتل الأحزاب الوسطية
صابر العبيدي: بعد الاستحقاق التشريعي يجب توحيد كتل الأحزاب الوسطية

ويؤكد المحلل السياسي محمد صالح العبيدي، في تصريح لـ”العرب”، أن ”تشتت العائلة الوسطية وعدم تمكنها من إنجاح مرشح لها في الرئاسية، وبحظوظها الضئيلة في النجاح في الانتخابات التشريعية سيسبب العديد من المشاكل للبلاد في قادم الأيام خاصة في ظل صعود المستقلين ما يصعب التكهن بتركيبة البرلمان القادم”.

وكان الشاهد قد دعا منافسه في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية 2019 عبدالكريم الزبيدي إلى الجلوس إلى طاولة الحوار وتوحيد الصف قبل الانتخابات البرلمانية التي تجري في الـ6 من أكتوبر. لكن لم ينتهي الأمر إلى وفاق.

ومع غياب مبادرة جامعة للأحزاب التونسية التي تنحدر من العائلة الوسطية، وهو ذات المصير أيضا للقوميين واليسار، يبقى مستقبلها مجهولا خاصة مع التراشق بالتهم ما يصب في مصلحة خصومها على غرار حركة النهضة الإسلامية.

ونتج عن حالة الانقسام صعود أسهم تيارات أخرى أغلبها محافظة وهو ما رأى فيه متابعون خطرا داهما على قيم الدولة التونسية الحديثة ومدنية الدولة ويهدد مكتسبات رسخها الحبيب بورقيبة وإنجازات الباجي قائد السبسي.

يطرح الفشل في تجميع أصدقاء الأمس تساؤلات عن الأسباب الكامنة وراء هذا الرفض. ويحمل رئيس الحكومة يسوف الشاهد جزءا من المسؤولية. وتلاحق الشاهد، الذي حل خامسا في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية، تهم من عائلته السياسية بشأن استغلال منصبه لمصالح شخصية و”الإجهاض على ما تبقى من حلم تجميع الأحزاب الوسطية”.

ويتهم مساعد المدير التنفيذي لحركة نداء تونس صابر العبيدي، يوسف الشاهد بأنه ”عنوان للتفرقة أكثر منه عنوانا للتجميع”، مشيرا إلى أنه ”استعمل أجهزة الدولة والقضاء التونسي لتصفية حسابات سياسية”.

ويؤكد العبيدي في تصريح لـ”العرب” أن “حزبه قدم تنازلات قبل الانتخابات الرئاسية وأياديه مفتوحة لجميع مكونات العائلة الوسطية إلا لمن أقصى نفسه وارتكب جرائم في حق هذه العائلة (في إشارة إلى الشاهد)”.

ويؤكد العبيدي أن ”المشاورات بين مكونات العائلة الوسطية ستتواصل بعد صدور نتائج الانتخابات التشريعية لتجميع ما يمكن تجميعه”.

ويعتبر متابعون أن حركة “تحيا تونس” التي يتزعمها الشاهد وتأسست على أنقاض الانقسام في حزبه السابق “نداء تونس” تتحمل جزءا كبيرا من مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع داخل العائلة الوسطية. وزاد تأسيس هذا الحزب من متاعب “نداء تونس” الذي غادرته أبرز قواعده لتلتحق بحركة ”تحيا تونس” وأحزاب أخرى حديثة النشأة. واللافت للانتباه هو عدم اقتناص الوسطيين فرصة سقوط الخصم التقليدي لهم، حركة النهضة.

وأفضى ذلك إلى ذهاب أصوات أغلب الناخبين إلى أشخاص بلا خبرة سياسية، المخضرم نبيل القروي الذي يتخذ من عمله الخيري واجهة للترويج لنفسه سياسيا، والأكاديمي قيس سعيد الذي يراه أنصاره شخصا “نظيف الأيادي”.

لذلك يشدد محمد صالح العبيدي على ”ضرورة إنهاء هذه الخلافات بعد الاستحقاق التشريعي وتوحيد كتل الأحزاب الوسطية لتمثل معارضة فاعلة إن لم تتمكن من تشكيل حكومة”.

7